الصفحة 70 من 146

فهو إذ يبدأ بأن يُعلن اتحاد عمرو والكلب في صفة الوجه الطويل فذلك كي يُبرز على أوضح ما تكون بقية الصفات التي يختلف فيها الحيوان ومهجو ابن الرومي ففي البهيمة فضائلُ حسان، فهو كلب وافٍ (4) وقد يحامي عن المواشي (5) وأما عمرو فالمثالبُ كلّها، غادرٌ وسافلٌ (4) لا يحامي ولا يصول (5) من بيت سوء (6) أهلُه ذميمو الخلقة وضراطون (7) ثم ينهي الشاعر قصيدته فيوحّدها بأهم ما فيها: مجموعة أصوات (مخلّع البسيط) .

(11) مستفعلن فاعلن فعولن ... مستفعلن فاعلن فعول

أصواتٌ كريحٍ

(12) بيتٌ، كمعناكَ، ليس فيه ... معنى، سوى أنه فضول

فأخرس ابن الرومي أنفاس مهجوه. وهكذا إذ ينتقل القارئُ من صفةٍ إلى نقيضها ومن فضيلةٍ إلى مَثْلَبة ومن الشيء إلى ضدّه فإنه يبني تدريجيًّا وحدة النص الدلالية.

وحين يقرأ القارئ روايةً أو قصة فإنه يتلمّس طريقه خلال العالم السردي بأن يُنظّم أحداثه المتناثرة في وحدات منطقية. ولأن أحداثَ الرواية الناضجة ترتبط ببعضها حسب علاقاتٍ تكاملية أو حسب علاقة السبب بالنتيجة فهي بمثابة أنصاب يستهدي بها القارئُ لاكتشاف العالم السردي فلحظةُ شراء الببغاء في رواية عصفور من الشرق تقتضي لحظة تقديمه كهديةٍ لسوزان ديبون. فإن غاب استخدام التقديم ظلّ شراءُ الطائر معلقًا في الهواء ومقطوعًا عن شبكة معاني النص. ومشهدُ إهداء الببغاء لعاملة المسرح يستدعي مشهدَ قبولها لدعوة محسن لها وهذا يقتضي بدوره مشهدَ المطعم .. الخ.

وعليه فإن علاقات المشابهة والمعارضة واستتباع النتائج بين وحدات النص السرديّة هي أكثر ما يلجأ إليه القارئ لتأويل ما يقرأ. ولكن وحدات النص هذه قد تُنشئ بينها علاقاتٍ من طبيعةٍ أخرى.

2 -3 - منازلُ الظنّ والتخمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت