الصفحة 71 من 146

إن بعض النصوص تُبرمج قراءتها بأن تتركَ خلالها مساحات يتلمّس فيها القارئ طريقه بدون عون خارجي ويُؤولها ظنًا وتخمينًا. كتلك المساحات البيضاء في بعض التمارين المدرسيّة حيث يُطلب من التلميذ أن يملأ الفراغ حسب ما يقتضيه السياقُ العام أو حسب ما يراه مناسبًا للسياق العام.

وحبسُ بعض المعلومات عن القارئ ووجودُ فراغٍ مقصود وسيلةٌ ناجعةً في برمجة مساهمة القارئ الإيجابيّة في تأويل النص. ولإيضاح هذه النقطة سنستعير مثالنا من رواية الروسي دوستويفسكي: الممسوسون (1870) وقد ترجمها المرحوم سامي الدروبي إلى العربيّة. ففي نهاية الكتاب يعزم بطل الرواية استافروجين وقد بلغ من تعذيب ضميره له حدًّا لم يعد يطيق معه صبرًا أن يعترف بما يؤرقه للمطران تيخون. فحرّر اعترافاته على وريقات وأعطاها لرجل الدين فراح هذا يقرؤها بصوت عالٍ. وحين يبلغ المطرانُ في قراءته مشهدًا يعترفُ فيه استافروجين كيف شرع ذات مرة يُقبّل طِفلةً بشهوانية ثقيلة يكف فجأةً عن القراءة. ويكتشف عندئذٍ أن الورقة التالية ناقصة فينظر إلى استافروجين مُستفهمًا فيرد هذا وعلى شفتيه ابتسامةٌ خرقاء:

-إني أحتفظ لنفسي بما حدث بعد ذلك. مؤقتًا.

ولن يعرفَ القارئُ أبدًا مضمون الورقة الناقصة. ويتابع المطران قراءته اعتبارًا من الورقة التالية، وهنا نكتشف أن الطفلة قد ساورها رعب شديدٌ حين شاهدت استافروجين غداة اللقاء المذكور في الصفحة الناقصة. وأن المسكينة قد شنقت نفسها بعد ذلك بقليل.

إن مفتاح لغز هذه النهاية المخيفة مذكورٌ طبعًا في الاعتراف المثّبت في الورقة التي أخفاها البطلُ نفسه كما اعترف بذلك صراحةً. وغيابُ هذه الورقة المقصودُ هو فراغٌ سرديٌ يُرغم القارئ على ملئه من عنده ومن خياله الخاص. وحين"يُورّطُ"النصُ قارئه ويرغمهُ على اتخاذ موقفٍ من السرد المكتوم وعلى تبنّي رأي بخصوص المساحة البيضاء فإنه يضبط نشاطه ويُوجّهه.

3 -دور القارئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت