الصفحة 72 من 146

3 -1 - الاستباق والتبسيط

إن الاستباق والتبسيط هما ردّتا فعل القارئ الأساسيتان أمام النص الأدبي. وهما قائمتان في صلب عملية القراءة والتأويل. ويمكن تفسيرُ ذلك بفضل واحدٍ من مبادئ النشاط اللغوي الجوهري التي كشفت عنها الألسنية الحديثةُ.

لكي يفهمَ الموَجّه إليه مقولةً ما لا بد له من إدراك النيّة الكامنة خلفها. وعليه ما إن يفتح القارئُ كتابًا حتى ينشئ فرضيّةً حول مضمونه العام وبمعنى آخر فإنه يشرع فورًا في استباق المضمون السردي وبالتالي في تبسيطه. فهو إذ يُنشئ في قرارة نفسه فرضيةً حول النص فهو يستبق أحداثَ الرواية مثلًا أو تطورات الحكاية. وهو يصوغ فرضيته على نحو مبسط كما لو كان يطرح على نفسه أسئلةً من طراز: عمّ يتحدّث الكاتبُ؟ ماذا يقصد؟ ويحاول الإجابة على ذلك: أغلب ظنّي أنه يتحدّث عن كذا وكذا. أو يبدو لي أنّه يريد كيْت وكيْت.

فلقد يفترض القارئ أمام رواية عبد الكريم ناصيف(سلميّة، سوريّة

1939)المخطوفون (1991) أول ما يفترض أنها رواية مغامرات يُخطف فيها أشخاص عديدون وأن الرواية تعرض ما جرى لهؤلاء المساكين من وقائع ومصائب! وقد تتعزّز فرضيّته عند قراءة السطور الأولى من مقدمة محمد توفيق البجيرمي التي يذكر فيها الأدويسة ورحلات غليفر ثم رحلات الفيلسوف الإغريقي لوسيان السمياطي ومغامرات سندباد جميعًا! ولكن الوحدات المعنوية التي تنتظم الفصل الأول من الرواية تجعل القارئ يرمي بعيدًا فرضيته الأولى ليدخل في عالم سردي آخر. ولينشئ فرضيةً جديدةً تتوافق مع معطيات الفصل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت