الصفحة 73 من 146

وأما نزعةُ التبسيط فإنها تكشف في حقيقة الأمر عن ضرورة الفهم التي ترتبط ارتباطًا عضويًا بعملية القراءة. والقارئ إذ يحتاج إلى معرفة أين تقودُه خطاه في طرق النص يميل باستمرار إلى التبسيط. فبينما يسعى الكاتبُ الفطن دائمًا إلى مضاعفة الأنظمة الرمزية وإلى تعقيد البنية الدلاليّة قدر إمكانه يسعى القارئ إلى اختزالها وتبسيطها قدر إمكانه كذلك.

إن الميلَ إلى تعقيد صفات الشخصية الروائية ومطاردة دقائقها والإيحاء بخفاياها ومكامن نفسها هو ما يميّز الكاتب في حين أن القارئ يميل دائمًا إلى إهمال التفاصيل ورقائق الألوان فيراها بيضاء أو سوداء، خيّرةً أو شرّيرةً، شرقيةً أو غربية.

وحين يقصر بالقارئ علمُه فيعجز عن استكشاف معنى النص الحقيقي يلجأ عندها إلى تأويله تأويلًا رمزيًا. فإن جعلنا عنوانُ رواية جيمس جويس

(1882 - 1941) أوليس (1922) نظن أن هناك علاقة ما بين أوليس هذا والأوديسة فما أسرع ما نكتشف أن الإطار الزماني والمكاني اللذين تنتشر فيهما الرواية الإنكليزية لا يمتان بصلة إلى ملحمة الشاعر الإغريقي. وأن علينا، لفهم النص على حقيقته أن نؤوله تأويلًا رمزيًا أي على أنه أوديسة عصرية وهي طواف بطلها بلوم في أرجاء مدينة دوبلن الإيرلندية. ونشعر بذات الضرورة أمام عنوان ابن عربي يترجم أشواقه (فواز حجو، اتحاد الكتاب، دمشق 1994) وصقر قريش وحيدًا (خالد سلامة الجويشي اتحاد الكتاب، دمشق 1993) أو تداعيات بين يدي أبي العلاء المعري التي سبق ذكرُها.

3 -2 - القراءة بصفتها توقّعٌ

وبسبب نزوع القارئ إلى استباق أحداث الرواية تبدو القراءةُ وكأنها امتحانٌ مستمر يفرضه النصُ لتقييم قدرات القارئ على التوقع. وإن كانت بعضُ الأنواع القصصية تعتمد الاعتماد كله على مبدأ التوقع هذا كالرواية البوليسية أو رواية الألغاز فإن الأنواع القصصية الأخرى ومنها الموصوفة بالجدية لا تستطيع إهمال هذا الجانب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت