فهرس الكتاب
ويساهم القارئُ النموذجي في تقدّم الحكاية حين يحاول أن يتنبّأ بالأحداث القادمة. ويؤمن القارئ أن ما سيأتي لا بد أن يبرهن على صدق تنبؤه. ولكن لا بد له من انتظار خاتمة النص لمعرفة إن كانت توقعاته قد قاربت الحقيقة الروائية أم لا. إن النص آلةٌ جامدةٌ لا تنشط إلاّ حين تنفخ فيها الحياة تكهناتُ القارئ. وهذا شرط أساسي لا يستغنى عنه نصٌ أدبيٌ يريد أن يركن إليه قارئه أو مفاجأته على غفلة منه إثارة فضوله!
إن القراءة إذن علاقةٌ جدليةٌ متوترة بين توقع ما سيأتي وتذكّر ما قد أتى فالقارئ يُنشئ فرضية حول ما سيحدث في الصفحات التالية أو في بقية الفصول، والصفحاتُ التالية ستحكم بصحة التنبؤ أو ببطلانه. وفي هذه الحالة الأخيرة يعيد القارئ النظر في فرضيته الأولى فيعدل فيها أو يبني فرضية جديدة على ضوء معرفته الحالية. وهكذا دواليك. وبتعبير آخر فالقراءة انتقالٌ دائم بين ما سلف في النص والنتيجة التي يتخيلها القارئ لذلك. ثم بين النتيجة التي تتحقق فعلًا وما سلف وقد أعيد النظرُ إليه! وهذا التوترُ اليقظ ينطبق على أحداث الرواية الثانوية كما ينطبق على أقسامها الكبرى. ففي نهاية الفصل الثالث من اللص والكلاب يودّع رؤوف علوان صديقه القديم سعيد مهران الذي جاء ينتظره أمام بيته. ويسدي رؤوف النصح لسعيد بأن يبدأ حياة جديدةً وأن يبحث عن مهنةٍ أخرى غير اللصوصية ثم يعتذر منه لضيق وقته ويُعطيه شيئًا من المال. فيشكره سعيد بحرارةٍ لكرمه ولنبل أخلاقه و(تناول الجنيهات باسمًا وصافحه بحرارة ثم قال بنبرة رجاء
-ربنا يتم نعمته عليك) (20) .