فهرس الكتاب
وفرضيةُ القارئ هنا هي أن سعيدًا هذا سوف يأخذُ بنصيحة صديقه فيبدأ بالبحث عن عمل شريف من ساعته وأن النقود قد تساعد الرجل على اتخاذ طريق جديدة في الحياة، فماذا يجري في الفصل الرابع؟ يحاول سعيد أن يسرق بيت رؤوف علوان! وهذا يرغم القارئ على إعادة النظر في تحليله لشخصية سعيد ولإحساسه بالخيانة ثم بالوحدة.
إن جهد التكهّن هذا أمرٌ جوهري في نشاط القراءة. وهو إذ يُكره القارئ على أن يتفحص دائمًا تنبؤاته وأن يقترح على الدوام أجوبةً جديدةً فإنه يُرغمه في ذات الوقت على النظر في أغوار نفسه واكتشاف أسرار وجدانه وشخصيته.
إن هذا واحد من أهم آثار القراءة الجوهرية على القارئ.
3 -3 - كفاءات القارئ
لكي يُؤولَ القارئ النصَ فإنه يفكّ ألغاز مختلف مستوياته الواحد تلو الآخر. وينتقل من البنى البسيطة إلى البنى المعقدّة أي أنه يُخرج من القوة الكامنة إلى الواقع المفسّر بنية النص الخطابية ثم بنيتَه السرديّة ثم الوظيفية فالعقائديّة.
ويتوافق إظهارُ البنية الخطابية مع مرحلة شرح المعاني. وعندما يفك القارئ رموزَ الكلمات فإنه لا يعير اهتمامه إلاّ للمعاني اللازمة لفهم النص أي للعناصر التي تتضمنها شبكاتُ النص الدلاليةُ والأمرُ أنه يستحيل على القارئ أن يستدعي أمام كل كلمة جميعَ معانيها التي يحصيها القاموس، فدلالات وقفَ وهو الفعلُ الذي يبدأ رواية صخرة الجولان تشغل ثلاثَ صفحات عند ابن منظور (توفي 1311) ويكرس لسان العرب صفحتين تقريبًا لفعل بطحَ الذي يستخدم علي عقلة عرسان اسم فاعل مزيده انفعل في السطر الرابع من كتابه، وعلى القارئ أن ينتقي من كل هذه المعاني المتقاربة ما يوافق الرواية التي بين يديه.
ثم يجمع القارئُ هذه البنى الخطابية وينظُمها في سلسلة من الاقتراحات تساعده على استخلاص العقدة القصصية، وهذه البنى السرديّة تجعله قادرًا على إطلاق حكمٍ مبدئي بعد قراءة بضع صفحات من روايته أو قراءة فصل منها أو مقطع طويل.