فهرس الكتاب
ومعرفةُ التعابير البيانيةِ وتقعيدِها والقوالب الأدبية تجعل القارئ أحسن فهمًا وأقرب إدراكًا للأنواع الأدبية التي أورثنا إيّاها التاريخ الأدبي والتراث التاريخي. فما إن يطالع القارئُ الخبير: حدّثنا عيسى بن هشام، قال: حتى يدركَ بدون عناءٍ وبدون أية إشارةٍ صريحة أنه أمام نوع أدبي عربي خاص هو المقامة وأن الأحداث التي يعرضها النص قد وقعت في زمن تاريخي معين وفي رقعة جغرافية محددة، وأن هذه الوقائع المذكورة ليست"واقعية"، وأن هدفَ الكاتب ليس وعظنا ولا إرشادنا وإنما يريد أن يقصَّ علينا حكايةً لإمتاعنا وتفريج كربنا ..
وأما الخبرة في قواعد الكتابة المسرحيةِ فهي التي تجعل القارئَ الفطنَ يرى أمرًا طبيعيًا أن يتكلّم رجلٌ في مسرحية (تحولات عازف الناي)
(1993) ... بلغةٍ شعريةٍ عذبةٍ طيلة عشر صفحاتٍ وبدون انقطاع! .. (24) . فهذه أمورٌ يقبلها النوع المسرحي، ولهذا لا يجد القارئ غضاضةً في أن تتبادل شخصياتٌ مسرحيةٌ أطرافَ الحديثِ بالبحر الطويل أو الكامل والمديد! ... كما هو عليه الحال عند أحمد شوقي أو خليل مطران ...
وأما السيناريو العام فنعني به مجموعَ الحوادث المتسلسلة حسب قواعدَ اجتماعيةٍ عامة يشترك فيها أبناءُ الثقافة الواحدة. وهذه المعرفةُ المشتركة تجعلنا نفهمُ ونؤولُ ما يفعله الشخصُ الآخر على نحوٍ صحيحٍ. والنصُّ الأدبي قائمٌ على تنظيم وسائل متعارف عليها في وسط ثقافي ما لبلوغ أهداف محددة. فشعائر الصلاة والدفنِ والتعزيةِ والولادةِ واستقبالِ الضيوف وتنظيمُ المكان الاجتماعي والمكانِ العائليِّ خبراتٌ عامةٌ يمتلكها القارئُ ويُحسنُ بفضِلها تفسيرَ سلوكِ الشخصياتِ الروائية وغاياتها، ولقد يمكن أننا لم نشهدْ في حياتنا إطلاقًا هذه الأحداثَ تقع على هذا النحو ولكن خبرتنا العامة بالناس وبالكون الذي نعيش فيه تسمح لنا بتأويلها ..