الصفحة 82 من 146

إِننا نقرأُ دائمًا عدّة أشياءٍ معًا في نصِّ ما، وفكرةُ تعدّد معاني النصِّ الواحدِ أو تعدّد مستوياتِ القراءة هي قديمةٌ قِدَمَ القراءة ذاتِها.

ومنذ الإغريقِ كان التدريسُ مُدرِكًا للصعوبات التي يُثيرُها تأويلُ النصوصِ ويُؤكِّد على ضرورةِ الاعتمادِ على منهجٍ واعٍ في القراءة. وكان السوفسطائيون أولَ من وضع قواعدَ ذلك المنهج وجاء بعدهم أرسطو، ومؤلّفاتُهُ ونخصُّ منها كتاب البلاغة وكتاب الشعر. وثبتَ عندهم أن القافيةَ ووقعَها على نفس القارئ"، وأسلوبَ المؤلِّفِ وفنونَ الخطابةِ والبديع، كلّ ذلك عناصرُ موضوعيةٌ نستطيع بفضلِهِا إنشاءَ تحليلٍ للنصّ وبالتالي أن نقبضَ على ناصيةِ معنىً من شأنِهِ الإفلات أبدًا."

ولقد قطعَ فقهُ اللغة مرحلةً جديدةً في عهدِ أوج الاسكندرية وازدهارِها أيام البطالمة (بين القرن الرابع والأول قبل الميلاد) ، فقد كان تجميعُ التراث الأدبي الإغريقي وتصنيفهُ في صدور مكتباتِها يقتضي نشاطًا فكرّيًا ونقديًّا كبيريْن. ولم تكن غايةُ علمِ اللغةِ عند كتّابها تحقيقَ النصوص الأدبية المحمولة من كل الأصقاع وحسب وإنما تحليلَها وتأويلَها ونقدَها. وكان نهجُ علماء الاسكندرية في ذلك صارمًا يسعى إلى التدقيقِ ومقاربةِ ظاهر النصِّ فكانَ ذلك إيذانًا بالقطيعة مع التقاليد اليونانيةِ التي أسسها الرواقيون، ويرفع لواءَها علماءُ بيرغاموس في آسية الصغرى الإغريقية وكانت تزاحمُ مدينة الاسكندرية على الصدارة. وكان هؤلاء يدعون إلى تأويل النصوص تأويلًا مجازيًا ويعملون على إظهار معنى النصِّ الخفيِّ وكشف النقاب عن نيِّةِ الكاتبِ ومراميهِ الخبيئة. وكانت نصوص هوميروس بطبيعةِ الحالِ مادّةَ دراستهم المفضَّلة.

والحقيقةُ أن هاتين المدرستين ورغم البون الشاسع بينهما كانتا تطلبان أمرًا واحدًا هوإيجادُ طريقةٍ في التأويلِ تلمّ بكلِّ أبعاد النص الأدبي. وسوف تُخصِبُ كلٌّ منهما الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت