الصفحة 83 من 146

وأما في العصور الوسطى الأوروبيةِ فإن تأويلَ التوراة بشقيْها العهد القديم والعهد الجديد، هو الذي سيُنشِئُ منهجًا تفسيريًا حقيقيًا. وكان هذا يُميزُ بين أربع مستويات في معنى تلك النصوص المقدسة. فهناك المعنى"الحرفي" (أي القصة المحكيّة) ، والمعنى"المجازي" (العهدُ القديمُ يُبشّرُ بالعهد الجديد) . والمعنى"الوعظي" (مغزى القصةِ الأخلاقي) ،وأخيرًا المعنى"الباطني" (قيمةُ الرسالة التوراتية عند خاتمة الإنسان) .

ثم ما لبثَ هذا المذهبُ في التفسيرِ أن راحَ يُطبَّق على النصوصَ الأدبيةِ الدنيويةِ. وكان دانته الياري (1265 - 1321) ، يُطالب بأن يُطبّق النقّادُ كذلك منهجَهم هذا على ملحمته الشعرية الألعوبة الإلاهية.

وأمّا في ميدان الحضارة العربية فنستطيع القولَ بأن كلَّ علوم اللغة العربية وربما كذلك كل علوم الثقافة الإسلامية قد نشأت في أول عهدها حول مسألة قراءة النص المُؤسِّسِ لهذه الحضارةِ وتأويلهِ ونعني القرآن الكريم، ووضع منهج علمي في التفسير.

ولقد بدأَ الجدلُ الفكري منذ العقد الخامس من القرن السابع الميلادي أي بعد مقتلِ الخليفةِ الثالث عثمان بن عفّان وانقسام الأمّة إلى أحزاب وشيعٍ يبذلُ أنصارُها كلَّ جهدهم لتبرير مواقفهم السياسيةِ تلك بآياتِ القرآن، وبنصوص الحديث يفسّرونَها ويُؤولونَها لدعم قضيتِهم أو لنقضِ دعاوى الخصمِ.

ثم ظهرت مع اتساع رقعة الدولة العربية ودخول أمم أخرى ذات لغات غير العربية وثقافات مختلفةٍ وانتشار الإسلام كدين للدولة الجديدة قضايا جديدةٌ ومسائل طريفة سُئِلَ النصُ القرآني عن إجابة لها وظهرت مذاهب في تأويل القرآن عديدةٌ تعتمدُ على أسس فكرية وطرق علميةٍ مختلفةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت