فهرس الكتاب
وليس يسعنا أن ننكر أن الموضوعَ الذي يسكن كل زوايا الكتاب هو الكاتبُ نفسه وقد انتقل إلى داخل مؤلّفه وعاش في ثنايا كتابه. وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد هنا شخص المؤلّف كما يظهر لنفسه وفي مرآة ذاته أو في عيون الآخرين محدودًا في الزمان والمكان مشغولًا بمتاعب الحياة اليومية. وإنما المقصودُ بالمؤلف ذاتُه العميقة الفاعلة وعقله الخلاّق وهو يُعمِلُ الفكر واعيًا وقد التحم بنصه وبكل الأشياء التي اختار مواجهتها التحام الأرض بالجذر. ليس الجاحظ الذي يعنينا هو الرجل المريض بالنقرس والمصاب بالفالج أو الذي ترك حاميه ابن الزيات حين نكبه الخليفة المتوكل لأنه لا يريد أن يكون"ثاني اثنين إذ هما في التنور"! هذا هو أبو عثمان عمرو بن بحر من موالي كنانة. وأما الجاحظ فهو الفكر الوثّاب والذهن المتقد والناظم المُبدِع الذي ينفث في كتابه قوة ذاكرته وفضولهِ الموسوعي ودقة ملاحظته وسلامة منطقه وقدرته على المحاجة والإقناع وتوليد الأفكار.
إن قراءة النص الأدبي تعني إذن أن ندرك حضور الكاتب في داخله ..
إن الاعتقادَ بوجودِ معنى أصلي يكون مفتاحًا لقراءةِ النصِّ ليس والحق يُقال اعتقادًا يختصُّ به أنصارُ مذهبِ التأويلِ الهرمونوطيقي دونَ غيرهم ونحن نجدُ هذه الرؤية لمعنى يسكنُ النصَّ كحقيقتِهِ الأولى في علمِ الدلالات البنيوي. وإنَّ مفاهيمَ كمفهوم"البنية الدلالية العميقة"أو مفهومَ"جوهر المضمون"، والتي قَبَسْتها الألسنيةُ البنيويّةُ من الألسنية التوليديّة توحي كلُّها بوجود مضمونٍ يحجبُهُ الشكلُ. فيكونُ هدف القراءةِ إذّ ذاك هو كشف الغطاء عنه ...