الصفحة 96 من 146

إذن ولأنّ الرغباتِ الدفينةَ هي ذاتُها عند المؤلّفِ وقارئِه فإن هواجسَ الأولِ توقظُ هواجسَ الآخر. أي أن فعل القراءة هو أنْ يجد القارئ في نفسه ذات المتعة التي أحس بها الكاتبُ عند الكتابة.

3 ـ القراءة النابذة أو التفكيكية:

ولكننا نستطيعُ مقاربةَ النصِ وقراءته على نحوٍ يختلفُ عن الشكلِ الذي عرضْنا له حتى الآن فيما سبقَ من المقالةِ. وفي هذه الحالة لا تكون القراءةُ بحثًا عن انسجام النص وما يشكل ترابطه وانسجامه الداخليين ولكنها سعيٌ حثيثٌ خلف تناقضاتِ النصِّ الداخلية ومعارضاتهِ. ويمكننا أن نسميها بنزعة القراءة التفكيكية أو بالنشاط التهديمي.

ولقد نظّرَ نقّادٌ لهذا النهج في التأويل الأدبي (الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا Derida.J وأعوانه) اعتمادًا على الألسنية البنيوية وخصوصًا على علمِ الأصواتِ فيها. فالعلامةُ الصوتية (أصغر وحدة صوتيةٍ في نظام اللغة الصوتي كالصوت سين أو غين الخ ... ) تُنشِئُ نفسَها داخل النظام اللغوي بما تختلفُ فيه عن بقية العلامات الصوتية في ذات النظام اللغوي. أي أن العنصرَ الصوتي لا يوجد إلا بالعلاقة التي تربطه ببقية العناصر الأخرى وهي علاقةُ تمايزٍ واختلافٍ ومعارضة. وعليه فليس للغة إذن مركز ثابتٌ يشدُّ إليه عناصرَها المكوّنةَ، ولا بدايةَ لها وليس لها مستوى أصلي ابتدائي ولا مكانَ انطلاقٍ. وبالتالي يُصبح من المستحيل علينا إن سلّمنا بمقدماتِ هذه المدرسةِ النقديةِ أن نتخيّل الكتابَ على صورةِ كلٍّ كامل ويصبح من العبث أن نحاول تثبيت معنى النص والإحاطة فيه. فهذا سراب عابر لا يكاد يتركّب حتى يتفكّك ولا يكاد يتراءى حتى يغيب ويضمحل! ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت