الصفحة 97 من 146

إنّ هذا النهج في القراءة يناقضُ كلَّ المعارضة نهجَ القراءة المركزية التي يبشر بها أصحاب النزعة الهرمونوطيقية. فهو ينادي كما نرى بقراءة تفكك النص وتبعثِرهُ. وهو يدعو كذلك إلى تجنب أن تهيمن خطوط المعاني على القارئ فتأخذُ بلبِّه وتفرضُ عليه أوهامها التوحيدية. وينصحُ هذا المذهب القارئ بأن يعبر النص ببطءٍ وأن يقف طويلًا عند أدقِّ تفاصيلهِ وأن يتأمل رويدًا في كل جزئياته. وهذا البطءُ المقصودُ يُضعفُ مقاومةَ القارئُ أمام المفرداتِ فتجرُّهُ هذه إلى اللجّةِ العميقة الساكنة خلف سطحِ الكلمات وترمي به في هذه العوالم التي لا تكاد تنتهي. فالكلمة المُنخرطة في قواعد النص ونحوه تتشقق أرضها فتبرزُ معانيها الكامنة فيها وشبكات الدلالة التي توحي بها. وهذه الشبكات تشدُّ القارئَ بدورها إلى شبكات أخرى وإلى عوالم أخرى كامنةً خلفها وهكذا دواليك. كتلك المتاهات التي تصفها سيرة الملك سيف بن ذي يزن حيث يجد البطل نفسه أمام بابٍ ويقوده البابُ إلى بابٍ آخرَ وسردابٍ في آخرهِ باب جديدٌ يفضي إلى سردابٍ جديدٍ وكلُّ سردابٍ ينفتحُ على لغزٍ جديدٍ أو على كونٍ غامضٍ لابد من استكشافهِ وفتحِ كلِّ أبوابهِ المغلقة.

إنَّ القراءة الجابذة مُتسرِّعةٌ تبحث عن بنية المعنى الأساسي أو ما تراها كبنية المعنى الأساسي وتجهلُ خلجاتِ المعاني وخفقتها الرقيقةِ وتلامسِ ثنياتِ النصِّ بظواهره اللغوية. ولكنَّ القراءة المتمهلة الدؤوب تُميطُ اللثامَ عنها وتضيء من داخلها سبلَها الملتوية.

ونجد أمثلةً لهذه القراءة التفكيكية عند جمهور مفسّري القرآن الكريم. وسوف نستشهد على زعمنا من تفسير القرآن للحافظ ابن كثير الشافعيّ الدمشقي (توفي عام 1372) . فهو بعد أن يستعرض فيما يُنيف على أربع صفحات ميادين المعاني التي تقود إليها الأحرفُ الثلاثةُ الأولى من سورة البقرة {ألم} ينتقلُ إلى الآية الثانية {ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هدىً للمتقين} . فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت