الصفحة 29 من 85

وقد اعتمد النقد عند المحدثين على مرتكزين أساسيين (1) :

الأول: استقراء الروايات وتتبع طرق الرواية من حيث الأسانيد والمتون .

الثاني: المعارضة والموازنة بين تلك الروايات .

ومن المناسب أن نستعرض هذين المرتكزين معتمدين على نصوص ووثائق تنتمي إلى وقت مبكر عند المحدثين لإثبات قدم هذا المنهج العلمي في النقد .

الاستقراء

لقد نوه"لانجلوا وسينوبوس"بأهمية التفتيش والبحث عن الوثائق ، وأشار إلى أنه قد عرف من الباحثين الأوروبيين من كانوا يكثرون الأسفار"سعيا وراء كشف وثائق تاريخية"وقد اشتهرت أخبار هذه الرحلات والأسفار تحت عنوان:"الرحلة"-Iter - مثل الرحلة الإيطالية والرحلة الألمانية وما أشبههما (2) .

والواقع أن الرحلة في سبيل البحث عن الروايات التاريخية وتدوينها وجمع النسخ والمدونات كانت تقليدا عريقا في منهج النقد عند المحدثين لدرجة أن ألف فيها المحدثون مؤلفات مشهورة كان من أبرزها كتاب الحافظ الخطيب البغدادي"الرحلة في طلب الحديث"حيث أورد الأخبار والأوصاف التي وردت عن المحدثين في هذا الشأن .

ولقد كانت رحلات المحدثين في البحث عن المرويات وسماع الحديث وجمع المدونات مفخرة بحق للحضارة الإسلامية بأسرها ، لا لعلم الحديث فحسب .

فلقد ضرب المحدثون أروع المثل في الاجتهاد والنصب والمبالغة في التحري لأجل الحصول عل المعلومات ولو كانت تلك المعلومات عبارة عن رواية لا تتجاوز بضعة أسطر .

فهذا إمام واحد من أجل اعتبار حديث واحد طاف بلدانا شتى ، ودخل مدائن عدة حتى وقف على علته وهو الإمام شعبة بن الحجاج رحمه الله .

(1) اختصر المحدثون منذ القدم هذين المرتكزين في كلمتين تشيران إليهما وهما:"قمش ثم فتش"أي اجمع ثم ابحث وافحص .

(2) المدخل إلى الدراسات التاريخية . لانجلوا وسينوبوس . ترجمة عبد الرحمن بدوي ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت