الصفحة 43 من 85

وجمع الطرق لجرح وتعديل الرواة من أعسر المسالك التي يعانيها النقاد ، وتكاد تتفق الكلمة عند النقاد في هذه العصور على انقطاع هذا الباب وعدم وجود المتأهل للقيام به ، وذلك لأن هذا الباب يحتاج إلى سعة اطلاع على الطرق والراويات مما لا يتيسر لأهل هذا الزمان لانقطاع الرواية عندهم ، ولفقدان الكثير من الكتب والأصول التي كانت عند المتقدمين في هذا الشأن ، وصار من في هذه العصور يعول على أحكام المتقدمين وسبرهم لأحوال الرواة ويقلدونهم مع تحري الموازنة بين كلماتهم إذا اختلفت .

وسبر حال الراوي يحتاج إلى جمع كل ما رواه من الأحاديث أو المرويات ثم جمع كل ما رواه أقرانه مما اشتركوا في الرواية معه ثم الموازنة .

فلو أراد إمام ناقد أن يسبر أحاديث حماد بن سلمة مثلا لزمه أن يطلع على أحاديث حماد بن سلمة وأحاديث من هم في طبقته واشتركوا معه في الرواية ، وقد يتعدد شيوخ حماد ويشترك معه في الرواية عن أولئك الشيوخ خلائق ، فيحتاج الناقد إلى الاطلاع على كل مروياتهم .

وقد تزداد صعوبة هذه المسالك إذا أراد الناقد أن يسبر أحاديث من بينه وبينه وسائط فإنه سيحتاج إلى ضبط أحاديث ذلك الراوي عبر الرواية عن الوسائط .

فإذا كان من بين الوسائط من هو ضعيف في الحفظ احتاج أن يزداد احتياطه حتى لا يخلط بين أخطاء الراوي وأخطاء تلامذته ، وسبيل ذلك بمقارنة روايات تلاميذه أولا ومعرفة ما اتفقوا عليه من رواية شيخهم - وهو الراوي المبحوث عن حاله - فيكن ما اتفقوا عليه هو رواية ذلك الراوي المعتمدة ، وما اختلف فيه الأقل على الأكثر من خطأ التلاميذ فلا يؤاخذ به ا لشيخ (1) .

وكلما ازدادت الوسائط احتاج الناقد إلى البحث في مرويات كل أولئك .

(1) يستفاد هذا من قصة يحيى بن معين مع مرويات حماد بن سلمة والتي مرت معنا قبل ذلك ، وسيأتي شرح هذه القصة بالتفصيل وما فيها من إشارات منهجية في النقد عند المحدثين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت