الصفحة 46 من 85

وهذا التنظير على بساطته طبقه بعبقرية فذة شعبة بن الحجاج أبو بسطام ، فمما روي عنه في ذلك أن خالد بن طليق سأله:"ياأبا بسطام حدثني سماك بن حرب في اقتضاء الورق من الذهب ... حديث ابن عمر ، فقال: أصلحك الله ، هذا حديث ليس يرفعه أحد إلا سماك ، قال فترهب أن أروي عنك ؟ قال: لا ، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه ، وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه ، وحدثنيه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير ولم يرفعه ، ورفعه سماك فأنا أفرقه" (1) .

وهذا تطبيق مبكر لمبدأ الموازنة والمعارضة لروايات الأقران .

هذه بعض الأمثلة للمعارضة بين الروايات التي تدل على أن المنهج بدأ في وقت مبكر ، وكلما تأخر الزمن زاد انتشاره وتوسع حتى بلغ أوجه في القرن الثالث ، ويدل على ذلك صنيع ابن معين وابن حنبل والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم (2) .

وتعتمد المعارضة على مرتكز - جمع الطرق - كما أسلفنا ، وعلى قدر سعة اطلاع الناقد على الطرق يكون نقده أكثر دقة وإصابة .

وأصل المعارضة عند نقاد الحديث مبني على تلمس الاختلاف بين الروايات ، قال الإمام مسلم بن الحجاج في كتابه"التمييز":"اعلم أرشدك الله أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين:"

أحدهما: أن ينقل الناقل حديثا بإسناد فينسب رجلا مشهورا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته أو يسميه باسم سوى اسمه ، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم ... فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ وعارفوه في الناس أكثر .

(1) مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ص158.

(2) منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت