الصفحة 52 من 85

وللنقاد في هذا الباب مسالك دقيقة جدا ، وأحوال خاصة في بعض الأحيان يجب ألا تأخذ حكم العموم ، وقد يستقرئ بعض النقاد استقراء ناقصا بحسب ما وصله من المرويات ويطلع غيره على غير ما اطلع عليه الأول ، والواجب التروي عندما تتعارض أحكام النقاد ، وهذا التعارض قليل في الغالب ، فقد قال الذهبي:"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال .

وتفاصيل هذا البال طويلة الذيول يعرفها الممارس لكتب الجرح والتعديل ، فإنها المجال التطبيقي الذي تظهر فيه اجتهادات المعارضة من النقاد .

وصفوة القول أن المعارضة للروايات والطرق والموازنة بينها هو المسلك الأساس في تقويم الرواة ومعرفة حالهم ، وقد يتفرع عن هذا المسلك بعض الأساليب الأخرى مثل الموازنة مع الكتب والمدونات واختبار الأحبار والورق ورؤية السماع في النسخ وفحص الخط ،وكله داخل تحت باب المعارضة (1) .

النوع الثاني: المعارضة لمعرفة أحوال راو لم يلتق به الناقد

المعارضة في هذا البال تكون أصعب من النوع الأول ، ولا يضطلع بهذا النوع إلا أهل الحفظ والاطلاع الواسع والتبحر في الأسانيد والمتون .

ونضرب له مثالا بحادثة يحيى بن معين التي ذكرناها قبل ، وحاصلها أن يحيى سمع كتب حماد بن سلمة من سبعة عشر تلميذا من تلاميذ حماد فسأله: ماذا تصنع بهذا ؟ فقال:"إن حماد بن سلمة كان يخطئ ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه ، وإذا اجتمعوا على شيء عنه ، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطيء عليه" (2) .

(1) منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص67.

(2) مضى تخريجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت