الصفحة 53 من 85

ويعتبر هذا التنظير أقدم وثيقة تبين منهج النقد عند المحدثين ، ولنحاول مدارسة هذا النص لأنه يتضمن الكثير من الإشارات إلى طريقة المحدثين في سبر أحوال الرواة .

إذا تأملنا كلام ابن معين رحمه الله يمكننا أن نستنتج ما يلي:

أولا: أن يحيى بن معين قد حكم على حماد بن سلمة أن يخطئ ومعنى هذا الحكم التوثيق وليس التضعيف ، لأن رغبة يحيى بن معين في إحصاء أخطاء حماد بن سلمة دليل على أنها معدودة وقليلة لكنها لم تتميز ، فأراد ابن معين أن يميز خطأ حماد ليعرف أن ماعدا ذلك من حديثه فمستقيم ، وهذا أعدل الأقوال في حماد بن سلمة ، وأخطأ من ضعفه مطلقا (1) .

ثانيا: مقتضى حكم يحيى بن معين على حماد بن سلمة أنه يخطئ أنه سبر مرويات حماد بن سلمة ووازن بينها وبين مرويات أقرانه ممن اشتركوا معه في الرواية ، فلما فرغ من ذلك ، وعلم أن حماد دخل في حديثه الخطأ لأنه خالف المتقنين من أقرانه أراد أن يتحقق من هذه المخالفات والأخطاء ويميز بينها بالتدقيق في روايات مشاهير تلاميذه ، لأن الخطأ قد ينسب إلى التلميذ دون الشيخ ، فتفتق ذهنه عن هذه الطريقة في المعارضة لتتميز أخطاء حماد بن سلمة عن أخطاء تلاميذه .

ثالثا: قوله:"فإذا رأيت أصحابه"يدل على أن يحيى بن معين كان ينتقي أصحاب حماد بن سلمة ، أي تلاميذه الذي عرفوا بطول الصحبة له ، وذلك تلافيا من أن يروي عن تلميذ مغمور من تلاميذ حماد فيحوجه لدراسة حاله أولا فيطول امر ، لأن طول الصحبة دليل على كثرة الممارسة، ولا يتهم التلميذ في شيخه غالبا إذا كان ملازما له .

وفي ترجمة عفان بن مسلم الذي سعى يحيى للسماع منه أن يحيى بن معين نفسه سئل عن عفان بن مسلم إذا اختلف هو وأبو الوليد في حديث عن حماد بن سلمة ، فقال: القول ما قال عفان ، ثم سئل: وفي حديث شعبة ؟ قال: القول قول قول عفان ، فقلت: وفي كل شيء ؟ قال نعم .

(1) انظر تهذيب التهذيب (3/11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت