فهرس الكتاب
بعد هذه الجولة التي تعرضنا فيها لنظريات النقد عند المحدثين ، وفهمنا على وجه واضح مناهجهم في جرح الرواة وتعديلهم ومعرفة علل الحديث ، وتعرفنا - بنا ء على وثائق ونصوص قديمة - على مرتكزات منهج النقد عند المحدثين ، يناسب أن نستعرض بعض سمات هذا المنهج على وجه الاختصار لنتبين بشكل عام الفروق بينه وبين غيره من المناهج الأخرى .
السمة الأولى: أخلاقيات المنهج
مع أن علم الأخلاق يحتل جزءا لا يستهان به في منظومة المعرفة اللاتينية ، والفلاسفة الذين تناولوا هذا الشأن لا يقلون عددا عن أولئك الذين تناولوا شئون الحياة العملية الأخرى إلا أن المفردات التطبيقية لهذا العلم ظلت حبيسة الأحبار والكواغد .
ولا نغلو إذا قلنا إن الأخلاق شأن لم يتناول إلا في إطار فلسفي محض (1) ،ولم تكن للعلوم الأخرى نصيب منه تنظيرا وتطبيقا .
ولن نبتعد كثيرا عن الحق لو ادعينا أيضا أن معاني الأخلاق لم تر حيز التطبيق إلا في القليل النادر في الأوساط العلمية الأوروبية بدءا من الفلسفة اليونانية القديمة وانتهاء بالحضارة الأوروبية المعاصرة .
ونحصر زاوية الخطاب في علم التاريخ الذي نحن بصدد عقد مقارنة فيه بين منهج النقد عند المسلمين وبين الأوروبيين .
ونستطيع أ، نجزم مطمئنين إلى أن المنهج الأوروبي للنقد التاريخي خال من أية شروط أخلاقية تبذل الطمأنينة المطلوبة في الأحكام النقدية التي يصدرها علماء النقد .
ولا يقتصر هذا الإفلاس الأخلاقي على الناقدين بل يمتد - عبر الزمان - إلى المؤرخين أصحاب الوثائق أنفسهم .
(1) انظر: أسس الفلسفة ، توفيق الطويل ص446 .