فهرس الكتاب
إن لانجلوا وسينوبوس وكل من ألف في أصول النقد الأوروبي ومن ابتع طريقتهم من المسلمين لم يشيروا من قريب أو بعيد إلى المعايير الأخلاقية الواجب توافرها في الناقد ، ونحن لا نريد أن نكون في ضمن الفريق الذي يتهم منظومة الحضارة الغربية بأجمعها بأنها حضارة غير أخلاقية ، فهذا غلو يأباه النظر السديد والإنصاف الرشيد .
لكننا - وببساطة - يمكننا أن نثبت ما ذكرناه دون خوف من تكذيب أحد لنا ، لأن كتب مناهج النقد موجودة بين أيدي الباحثين في كل العالم ، إنها تخلو من مجرد إشارة إلى الشروط الأخلاقية للناقد أو المؤرخ .
وفي المقابل فإننا نرى منهج النقد عند المحدثين يعتمد اعتمادا كاملا على نظرية الجرح والتعديل التي تنظمها قوانين الأخلاق من عدالة وتقوى وصيانة نفس وطهارة روح وبعد عن كل الرذائل المشينة القادحة .
وبالنسبة للرواة فقد بينا اشتراطات منهج النقد عند المحدثين فيهم ، ومرتبة الراوي تتحدد - قبولا وردا - على هذا الأساس الأخلاقي الصارم .
أما في المنهج الأوروبي فإن لانجلوا وسينوبوس لا يؤمنون بوجود"معيار خارجي للأمانة ولا للدقة ولهجة الأمانة عندهما هي مظهر الاقتناع ، والخطيب والممثل والكذاب المعتاد على الكذب أقدر على الظهور بهذا المظهر - وهم يكذبون - من الرجل المتردد حينما يقول ما يعتقده فقوة التوكيد لا تدل دائما على قوة الاقتناع بل على المهارة أو الوقاحة".
ويضرب سينوبوس بمذكرات الكاردينال دي رتز De Retz حيث تضمنت حكاية عن الأشباح، وقد بين ناشر المذكرات أن هذه الحكاية المروية بحماسة كلها كذب من أولها إلى آخرها (1) .
(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية . لانجلوا وسينوبوس . ترجمة عبد الرحمن بدوي ص126.