فهرس الكتاب
إن أي قارئ لمقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم سيدهش من تلك التراجم المستفيضة والطويلة لمالك بن أنس والأوزاعي وشعبة وابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وأبي مسهر ونحوهم، كما سيدهش من تلك الآُثار المتواتر في ديانة هؤلاء وعدالتهم وإمامتهم وعلو أخلاقهم وورعهم وتصونهم عن الشبهات وبعدهم عن المداهنة ، لكن الدهشة ستزول حينما يتوغل في ثنايا الكتاب ويقرأ الأحكام النقدية والجرح والتعديل في الرواة أنها أحكام لأولئك الذين ترجم لهم ابن أبي حاتم في بداية الكتاب وجعلهم معيار النقد لغيرهم فكل حكم يصدر عن واحد منهم إذن لا بد أ، يتلقى بالقبول لسبق التسليم بنزاهتهم وأمانتهم .
ولماذا نحتاج إلى التعمق في المقارنة بين أخلاقية المنهج عند المحدثين وأخلاقية المنهج عند الأوروبيين بينما نظرة عابرة في تراجم أئمة النقد تعطينا نتيجة يقينية أن كل من مارس النقد من المحدثين معدود في أئمة الدين المشهود لهم بالتقدم والفضل ويعرفهم الخاص والعام وكان أحمد والدارقطني يتحديان الطوائف المبتدعة بأيام الجنائز ، يقول أحمد:"بيننا وبينهم الجنائز"إي إذا مات المحدث الناقد عرفت إمامته بين الناس بالحشود الهائلة التي تشيع جنازته حتى يدفن ، أما أصحاب الطوائف الأخرى فيكون العدد الهزيل المشيع لجنازة الذي موت منهم دليلا واضحا على حقيقة مكانته بين الناس .
السمة الثانية:أصالة المنهج
لقدكان منهج النقد التاريخي عند المحدثين من المناهج الإسلامية القليلة التي سلمت من وصمة التأثر بالفلسفة اليونانية ومنظومتها المعرفية .
إن ا لتاريخ الإسلامي الذي دونه المحدثون ووضعوا أصوله ومنهج نقده كان من الأصالة والاستقلالية بحيث يصعب على أولئك المهووسين بالحضارة اليونانية أن يقفوا على دليل واحد يثبت وجود اقتباس أو تأثر في المادة والمنهج .