الصفحة 68 من 85

وأما الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع فإنها حديث بعد انقراض عصر الصحابة ، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة ، فأنكرها من كان منهم حيا كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما رضي الله عنهم ، وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنما هو موقوف على الصحابة من قولهم .

ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها ما حكيناه عنهم ، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة ، كالإمام أحمد وذويه . ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج ..." (1) ."

ولقد نقلنا كلام ابن القيم على طوله لأن الأستاذ الأعظمي استدل به على أن أئمة الحديث تعرضوا لنقد المتون بالعقل .

وليس في كلام ابن القيم تعرض لنقد المتن كما رأينا ، بل إنه صدر كلامه بالتعرض لنقد أسانيد وطرق الحديث (2) .

وهذا هو مسلك المحدثين كافة في نقد الأخبار والروايات ، وقد بينا أنهم أسسوا منهجهم النقدي على نظري الإسناد باعتباره الوسيلة الوحيدة لحفظ النصوص ونقلها والإطار الوحيد الذي يتيح للناقد التوصل لصحة الخبر .

(1) تهذيب سنن أبي داود ( مع حاشية ابن القيم ) (7/60-61) .

(2) وبتأمل كلام ابن القيم رحمه الله نجد أنه اعتمد على أمرين في نقده لحديث:"مجوس الأمة .."الأول: هو النظر في الأسانيد ومعرفة عللها ، وهذا هو الأصل عند المحدثين كما قررنا ، والثاني: النقد عبر الموازنة مع الحقائق التاريخية ، فقد استعرض ابن القيم تاريخ تلك الطوائف المبتدعة لاستشفاف إمكانية قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحديث ، وهذا ليس بنقد عقلي عند التأمل ، لأن الحقائق التاريخية لم تثبت إلا بالأسانيد الصحيحة ، فكأن الموازنة كانت معها لا مع مجرد معانيها ، فعاد الأمر إلى الإسناد كما هو ظاهر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت