وربما تناقضًا ما قد أُلاحظه من خلال هذه العبارات المختلفة المعاني، لكنه يزول حين يعرف أنه مبني على مسألة موضوعية أخرى مفادها:"هل الجنين جزءًا من أمه يقر بقرارها وينتقل بانتقالها فيحكم بعدم استقلاله فتنتفي عنه الذمة فلا تجب له ولا عليه فلا يرث ولا يوصى له أو ينظر إليه من جهة كونه نفسًا بحياة فيحكم بثبوت الذمة له فهو أهل لأن يجب له وعليه فيرث وتصح الوصية له".
واختلف الفقهاء حول ترجيح إحدى الجهتين على الأخرى، فرجح الخضري بك أنه لا ذمةَ ولا أهليةَ وجوب، واشترط الانفصال حيًّا فقال:"وعندي لا إرث له وهو جنين؛ لأن سبب الإرث الولد وشرطه الانفصال حيًّا فلا يثبت له المال الموروث إلا بالانفصال حيًّا؛ ولذلك لو انفصل ميتًا لا يوزع المال على ورثته، وإنما يوزع على ورثة المورث كأنَّ الجنين لم يكن وكذلك الوصية فإن الموصى به يرجع إلى ورثة الموصي لا إلى ورثة الجنين" (40) ، فعنده تتم الذمة بالولادة حيًّا، ومعها تثبت أهلية الوجوب فيجب له وعليه:"متى انفصل الجنين حيًّا ثبت استقلاله فتمت ذمته فصار أهلًا لأن يجب له وعليه، ولكن فيما عليه تفصيل .." (41) وأشار إلى التفصيل.
أما السنهوري فذهب إلى القول بإرث الجنين وجواز الوصية له حيث قال:"وتبدأ الذمة ببدء حياة الإنسان وهو جنين، فتكون له ذمة قاصرة، إذ يجوز أن يرث وأن يوصى له وأن يوقف عليه، ثم يولد حيًّا فتتكامل ذمته شيئًا فشيئًا، في المعاملات والعبادات والحدود حتى تصير كاملةً، وتبقى ذمة الإنسان ما بقي حيًّا" (42) ، ومنه أصنف آراء الفقهاء المتأخرين حول هذه المسألة في مجموعتين:
المجموعة الأولى: الذين يذهبون إلى أن الجنين جزءٌ من أمه يقر بقرارها وينتقل بانتقالها، فيحكم بعدم استقلاله فتنتفي عنه الذمة فلا يجب له ولا عليه منهم الخضري بك.