ليبلغ هذا القول أقصى ما يمكن أن يرجوه المستشرقون والمستغربون من طعن واتهام، مما يجعلنا نتساءل عن مبرر البحث في هذه القضية التي تنبع منها شبهة، أو على أقل تقدير تؤكد على شبهة جدَّ علماء المسلمين في دحضها وإقامة الدليل على فسادها، ثم نتساءل عن المبرر للبحث أو حتى مجرد التفكير على حين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه قد رد وبيَّن في الحديث الذي تكرر ذكره أيضًا في الكتب والدراسات التي تناولت بلاغته - صلى الله عليه وسلم - من أنه"بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ"، إن أعداء الإسلام لم يفكروا مطلقًا ـ فيما أعلم ـ في نفي الفصاحة والبلاغة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل ربما كان عكس ذلك هو الصحيح، فهم يجِدُّون في إثبات الفصاحة والبلاغة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ عدُّوا محمدًا إمام الفصاحة والبلاغة وحاولوا نسبتها إليه وإثباتها له؛ لأن هذا الإثبات عندهم يعنى نفي النبوة والرسالة، وإن محاولة الإثبات هذه لهي امتداد لمحاولة إثبات الشعر له - صلى الله عليه وسلم - الموغلة في القدم، وليس ثم من شك في أن هذه المحاولة القديمة كانت غايتها إثبات الشعر لنفي النبوة والرسالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكننا ـ مع ذلك ـ نحسن الظن بمن يجِدُّون في إثبات تأثير الموهبة والدربة وما إلى ذلك، ولكننا فقط نبين شبهة لا يحسن السكوت حيالها، فلم تختلف في المسلك وإن اختلفت في المنطلقات عن المستشرقين والمستغربين، وهذا الاتفاق في المسلك هو الذي يجعلنا نقول بالشبهة؛ لأن أقوال هؤلاء المتصدين لمعالجة بلاغة الحديث النبوي ـ في إصرارهم على إثبات الموهبة والمكتسبات البشرية ـ تأتى بمثابة المقدمات التي تعضد ما يذهب إليه المستشرقون والمستغربون.