فهرس الكتاب
وثم أمر آخر يجدر التنبيه إليه في هذا الصدد يتمثل في ضرورة التفريق بين الفصاحة والبلاغة، فأسباب الفصاحة إن توفرت لا تعني بالضرورة توفر أسباب البلاغة، فالفصاحة متعلقة باللغة أما البلاغة فهي متعلقة بالكلام، وهذا أمر بيِّنٌ كثير الورود في المؤلفات الأولية المدرسية في البلاغة، ولكننا ننبه إلى هذا التفريق هنا لنؤكد حقيقة أن العوامل البشرية المكتسبة قد تؤدي إلى الفصاحة، أي إدراك الفصيح من مفردات اللغة، ولكنه لا يعني مطلقًا أن البلاغة مرتبطة بالفصاحة ارتباط الأسباب والمسببات، فالقول يوصف بالبلاغة بوصفه رسالة لغوية بين مرسل ومستقبل أدت إلى عملية تواصل ناجحة بالوسائل الأسلوبية لتأثيراتها الوجدانية والوسائل الأسلوبية لإقناعها العقلي، ومن ثم فالفصاحة تتيسر لعدد كبير أما البلاغة فلا تتيسر إلا لعدد يسير من الفصحاء، وبمعنى آخر يمكننا القول: إن الفصاحة شرط للبلاغة ولكن وجود الفصاحة لا يستوجب بالضرورة وجود البلاغة، فإذا كانت ثم أسباب دنيوية لا سبيل إلى إنكارها تؤدي إلى اكتساب الفصاحة فإن هذه الأسباب لا تؤدي بشكل مطلق إلى اكتساب البلاغة.
ومن ثم نعود للتساؤل: هل مناط الخصوصية والتفرد في البلاغة النبوية كان بتحصيل أدوات دنيوية حتى تكونت ملكة قولية خاصة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الرجل، أم أن مناط الخصوصية هنا هو أن محمدًا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث بهذه القدرة وأوتيها من عند الله عز وجل ؟