الصفحة 20 من 56

ولا أرى فرقًا بين الأدب والشعر في استنادهما كليهما ـ في الغالب ـ على العاطفة، وإمعانهما كليهما ـ في الغالب أيضًا ـ في أنهما نطق عن الهوى چ ? ? ? ? چ (النجم: 3) ، وقد رجح القرطبي من الأقوال المأثورة في تفسير هذه الآية:"أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل... وفيها دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل" [1] ، وقد ذهب المفسرون وغيرهم من علماء المسلمين كل مذهب في نفي مظنة الهوى عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ولكننا مع ذلك نرى غير واحد من المتصدين للحديث عن بلاغته - صلى الله عليه وسلم - يضطربون اضطرابًا بيِّنًا في أمر هذه الشبهة.

ولكن على الرغم من تأكيدنا على حسن الظن بهذه المقولات وغيرها فإن الأمانة العلمية والدينية تقتضينا التنبيه على خطر هذه الآراء في إذكاء الشبهة التي أشرنا إليها آنفًا، ولعل الوصف الذي ذكره د. البيومي"أشدهم عارضة"في مقام المدح والحمد وذكر الفضائل في موقف المقارنة بالذين يتوجه إليهم بالدعوة، هو نفسه الوصف الذي ذكره معروف الرصافي"أن يكون ذا عارضة كعارضة محمد"في مقام الاتهام والادعاء، وفي موقف المقارنة بالعاجزين عن معارضته - صلى الله عليه وسلم - في الإتيان بمثل القرآن، وحسبنا شبهة أن يكون الوصف الواحد مترددًا بين المادحين والذامين.

لهذه الأسباب رأينا ضرورة التنبيه على هذه الشبهة وعلى خطرها، ولكونها سببًا من أسباب الحاجة إلى بيان الحدود والآفاق التي نراها أولى بالبحث والدرس فيما يتعلق ببلاغة الحديث النبوي الشريف، وهي من ثم تأخذ بأيدينا إلى التأكيد على أن الهدف من البحث في بلاغة الحديث النبوي الشريف قد آن له أن يتجاوز محاولة إثبات البلاغة له - صلى الله عليه وسلم - بالبحث في حيثيات من مقتضيات تحصيل العقل البشري.

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1965م جـ 17 ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت