فهرس الكتاب
لعله من الضرورات المعرفية المتعلقة بفلسفة البلاغة أن نفرق بين مجالات التحليل البلاغي بربطها بالغايات الكبرى للكلام: الإقناع، الإمتاع، التعليم، ولأن الحديث النبوي خطاب تعليمي فهذا يثير عدة تساؤلات:
كيف تتحقق الظاهرة البلاغية في النص التعليمي ؟ وربما بدا أنه من الأحرى أن يكون التساؤل: هل النص التعليمي منتج للظواهر البلاغية ؟ هل يصح أن نستعمل الأدوات والإجراءات المستعملة مع الخطاب الحجاجي الإقناعي في تحليل الخطاب التعليمي بشكل عام والحديث النبوي بشكل خاص ؟
وليس بخفي أن هذه التساؤلات تلفت إلى بُعدين من الشبهات: البعد الأول يتعلق بالنظرية البلاغية؛ سبب ذلك نفي البلاغة عن الخطاب التعليمي في النظرية الغربية، والبُعد الآخر يتعلق بالتحليل البلاغي، ويتحدد في شبهة الخلط بين الغاية الجمالية الخالصة التي يحاول الباحثون الوقوف عليها في الخطاب الشعري وغاية التمكين للمقتضى التعليمي وما ينطوي عليه من تشريع وتبيين في نفوس المتلقين.
إن الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف يمتاز بخصائص تجعله مغايرًا لألوان الخطابات التعليمية المختلفة، فليس ثم من شك في أن النظرية البلاغية الغربية قد استقت مفاهيمها من خطابات تعليمية مختلفة، ومن ثم تأتي القراءة التحليلية البلاغية للحديث النبوي الشريف بمثابة إعادة النظر في قصور النظرية الغربية في حكمها المُعَمَّم على الخطاب التعليمي، كما تأتي هذه القراءة ـ في الوقت نفسه ـ تأسيسًا لنظرية هذا النمط الخاص من أنماط الخطاب التعليمي المتمثل في الحديث النبوي الشريف، فلقد ذهبت نظرية أنواع الأساليب في التناول الغربي إلى وضع الأسلوب التعليمي نموذجًا للنمط المتدني من الأساليب، ومن هنا نجد أنفسنا أمام هذا التساؤل المبدئي عن مدى تحقيق الحديث النبوي للغاية التعليمية في إطار بلاغي.