فهرس الكتاب
ثم يبين رامان سلدن أن الحدود بين الأساليب ليست حدودًا فاصلة قاطعة، وأنه ثمة خصائص تتوفر للنمط الواحد من هذه الأساليب، إذ قد يجمع الأسلوب التعليمي مثلًا بين خصائص متعددة تحقق الغاية الإقناعية والتأثيرية ولا تكون بمنأي عن الغاية الجمالية، ويأتي الحديث النبوي ليحقق نموذجًا فريدًا لخصائص النص في انفراده واطراده وديمومته، فالنص منفرد لأنه نموذج خاص من النصوص يعتمد في خصائصه على الجمع بين الإيجاز وتحقيق غاية الإفهام والإبانة وما تقتضيانه من الوضوح، ومن المعروف الجلي أن التبليغ والإفهام وتمكين المعنى في نفس المتلقي من الغايات الجوهرية للقول البليغ، ولعل تعريف أبي هلال العسكري للبلاغة بأنها:"كل ما تُبلِّغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن" [1] يرمي إلى هذه الغاية ويؤسس لها.
أما الاطراد فهو من العوامل التي تحقق لنص الحديث النبوي خصوصيته وتؤكد على تفرد خصائصه في الجمع بين هذه الغايات باطراد دائم، وتكمن أهمية الاطراد في أنه ينفي عن الحديث النبوي صفة الاستثناء الذي لا تعضده قاعدة عريضة مطردة، كما ينفي عنه صفة الصدفة التي لا تقبل التكرار، ومن ثم يأتي الحديث النبوي نمطًا فريدًا من الخطاب يجدر بوقفة متأنية مدققة، تأخذ نفسها بتتبع الظواهر وتحليلها.
(1) أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، تـ على محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2 ، دار الفكر العربي ، ص 16.