الصفحة 28 من 56

إن نسبية الجمال بالإضافة إلى إمكان تحقق الغايات المتوزعة بين أنواع الأساليب في الأسلوب الواحد يجعل اجتماع البُعد الجمالي مع غايتي الإقناع والتعليم ممكنًا، فالغاية التعليمية المتعلقة بالتشريع في الحديث النبوي قوامها الدقة والإتقان والإحكام، ومتى تحقق التناسب بين الموضوع والأسلوب تحقق وجه من أوجه البعد الجمالي تبعًا لتحقق التناسب، الذي عده بشر بن المعتمر من أنماط التناسب المقامي"ومن أَرَاغَ معنىً كريمًا فليلتمِسْ له لفظًا كريمًا؛ فإنّ حقّ المعنى الشريفِ اللفظُ الشّريف، ومن حقِّهما أن تصونهما عما يفسدُهما ويهجِّنُهمَا، وعمّا تعودُ من أجله أن تكونَ أسوأَ حالًا مِنك قبل أن تلتمس إظهارَهُما، وترتهِن نفسَك بملابستِهما وقضاءِ حقِّهما" [1] ، فالجمال هنا هو جمال التناسب بين موضوع الحديث والإيجاز الأسلوبي الذي صيغ فيه، وما يحقق هذا التناسب من تركيز في بناء التراكيب بالوسائل الأسلوبية المختلفة، يُضاف إلى هذا أن البعد التشريعي في الحديث النبوي يستلزم الدقة في الصياغة، ولن تتوفر الدقة والإحكام إلا بالوسائل الأسلوبية المحققة لذلك، ومن هنا يُصبح البحث في بلاغة الحديث النبوي هو بحث في الكيفية الأسلوبية التي تحققت بها الدقة والإحكام وصرامة تحديد المواقف، وليس هناك شك في أن هذه غاية تعليمية بالدرجة الأولى تقصد إلى الإيضاح والإفهام، فالتناسب بين الموضوع والأسلوب ـ من جهة ـ وبين الغاية التعليمية التشريعية والأسلوب، من جهة أخرى، إنما هو جمال نسبي يحقق لهذا الأسلوب التعليمي غايات الأسلوب الرفيع، فهذا النمط من الخطاب قد يصل إلى أقصى درجات التفوق والسبق والرفعة"فالمتحدث الذي قد تفوق في الأسلوب الواضح (التعليمي) ؛ لأنه تمكن من الخطابة بمهارة وتناسق، هو بالتأكيد خطيب عظيم، إذا لم يكن"

(1) صحيفة بشر بن المعتمر، من كتاب البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، بيروت (بدون تاريخ) جـ 1 ص 133

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت