الصفحة 32 من 56

ولنا أن نشير إلى أن بُعدي التأثير والإقناع معًا يختلفان في الحديث النبوي الشريف عن غيره من كثير من أنواع الخطاب، فالإقناع هنا لا ينبني على حجة منطقية عقلية خالصة وفق المفاهيم التي سادت في نظريات الحجاج الأرسطي وتطوراتها الحديثة التي نجد ظواهرها في الخطاب الحجاجي في مختلف ميادينه، ولكنه ينبني هنا على متكأ سياقي يتعلق بعناصر سياقية تحكم عملية التواصل بين المرسل والمستقبل، وليست هذه المحددات السياقية الخاصة بالمتكلم في الخطابة ببعيدة عن رؤية أرسطو، فقد رأي أن التصديقات مبنية على أبعاد ثلاثة ينبني البُعد الأول منها على أخلاق القائل إذ تتمثل هذه الأبعاد المحققة للإقناع عنده فيما يلي:

أولا: أخلاق القائل (المحددات السياقية)

ثانيًا: تصيير السامع في حالة نفسية ما (التأثير)

ثالثًا: القول نفسه، من حيث هو يُثبت أو يبدو أنه يُثبت (مدى تضمن القول لحقيقة وبرهان) [1] .

ولا يخفى علينا ارتباط أخلاق القائل ـ على حد تعبير أرسطو ـ بالمحددات السياقية التي نقول بها، بل إنه يوليها تفصيلًا وتأكيدًا على ضرورتها بقوله:"وليس صحيحًا أن الطيبة الشخصية التي يكشف عنها المتكلم لا تُسهم بشيء في قدرته على الإقناع، بل بالعكس، ينبغي أن يُعد خلقه أقوى عناصر الإقناع لديه" [2] ، ومن ثم نؤكد على العنصر السياقي بوصفه من أهم عناصر الإقناع في الحديث النبوي الشريف، وتأتي الأبعاد السلوكية ضمن تأسيس الحديث النبوي الشريف لبلاغته الخاصة وهو ما يدخل في الجانب الذي حدده أرسطو فيما يتعلق بكيفية المتكلّم وسمته.

(1) أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط دار القلم بيروت 1979 م ص 29.

(2) المرجع السابق والصحيفة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت