فهرس الكتاب
ومما ينبغي أن يؤخذ في حساب المحلل البلاغي الأسلوبي أن الحجاج في المقامات الخطابية التي انبنت عليها أفكار أرسطو يختلف فيها الأبعاد السياقية من جهتي المخاطِب والمخاطَب، فطرفا الخطاب في المقام الحجاجي ـ في الغالب ـ يجمع بينهما عداء، فكلا الطرفين مدفوع بغايات شخصية ذاتية، ومن ثم فإن الأبعاد السياقية التي تحكم العلاقة بين طرفي الخطاب تتمثل في سوء الظن، والاتهام، والرغبة في إحراز الانتصار، فالمنفعة هي الهدف وليست الحقيقة، ومن ثم فإن العلاقة التي تحكم الطرفين هي علاقة الصراع والمخادعة، والإقناع هنا لا يهدف إلى بيان حقيقة بقدر ما يهدف إحراز منفعة.
وما هكذا يكون بُعد الإقناع في بلاغة الحديث النبوي الشريف، فالسياق الذي يحكم طرفي الخطاب إنما هو سياق غاية في الشفافية والصدق، فالمخاطِب هنا يستهدف بالإقناع من يؤمنون به نبيًا ورسولًا شاهدين وغائبين، ومن ثم قلنا بأن الإقناع هنا يعتمد على دعائم سياقية بالدرجة الأولى، ثم تأتي الصياغة بعد ذلك ليست من قبيل الإقناع بالحجة اللغوية الخالصة، ولكن اللغة تأتي هنا وسيلة لتمكين الحقيقة من نفس المتلقي، ومن هنا نقول بمغايرة الإقناع في الحديث النبوي الشريف لغيره من أنماط الخطاب الحجاجي بين البشر بعضهم البعض في دوافعه ووسائله وملابساته السياقية.