الصفحة 35 من 56

إن ما قلناه في الإقناع يصدق على التأثير، وإن كان الأمر فيما يتعلق بالحجاج أقل ظهورًا في معالجات البلاغة النبوية الشريفة، فإذا كان الحديث النبوي الشريف ليس خطابًا حجاجيًا فإنه ـ في الوقت نفسه ـ ليس خطابًا شعريًا، فالتأثير بوصفه غاية وجدانية تختلف في الحديث النبوي الشريف عنها في الشعر، فإن التأثير الشعري ربما كان أقصى ما يرمي إليه هو أن يحقق نوعًا من التعاطف، من اكتساب موقف المخاطَب، الممدوح في شعر المديح، المرأة في شعر التغزل، المعتَذر إليه في شعر الاعتذار، إنه نوع من الاستمالة العاطفية الخالصة يكون المخاطب مستهدفًا بها أما البيان النبوي فهو"بيان واضح لا يجنح به الشعر عن الدقة والتحديد إلى المبالغة والإغراق، ولا يميل به عن الواقع المشاهد إلى الخيال الشارد" [1] فالتأثير في الحديث النبوي الشريف لا يجنح إلى المبالغات التي تشتمل على نوع من المغالطات والمبالغات الشعرية، ولكنه أيضًا تأثير ينطلق من الغاية الإبلاغية التبليغية ويهدف إلى إقرار حقائق في عالم الشهادة أو إلى التمكين لتصورات عقائدية في عالم الغيب، ويتضافر التأثير مع الإقناع في هذا التمكين والإقرار للحقائق، فإذا كانت الظواهر البلاغية التي تنتمي إلى ما عُرف في البلاغة العربية بعلمي البيان والبديع من أهم وسائل التأثير في الشعر فإنها كذلك في الحديث النبوي الشريف، ولكنها بدورها تختلف في مبعثها وغايتها، والأهم أنها ينبغي أن تختلف في موقعها من اهتمام الباحث في البلاغة النبوية، ولكن أغلب الباحثين في البلاغة النبوية قد غاب عنهم التفريق بين الشعر والحديث النبوي الشريف في تحليل الظواهر البلاغية في الحديث وفق التصورات النظرية التي ينطلقون منها لتحليل بلاغة الشعر، وبخاصة في بحثهم عن الغاية الجمالية الخالصة وكأنها هي الغاية من الحديث النبوي الشريف، وهذا هو أساس هذه الشبهة.

(1) د. محمد رجب البيومي: البيان النبوي ص 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت