الصفحة 36 من 56

إن غاية الحديث النبوي الشريف تعليمية تبيينية تشريعية، ثم يأتي البُعد الجمالي نتيجة تالية لهذه الغايات، ومن ثم تدخل الشبهة على من قاموا بالتحليل البلاغي للحديث النبوي الشريف بلاغيًا من جهتين:

ـ أنهم كانوا شاخصين إلى البعد الجمالي وما يتعلق به من غاية تحسينية تزيينية.

ـ أنهم في سبيل الوصول إلى ما يرجونه استخدموا إجراءات التحليل البلاغية التي تستخدم في تحليل الخطاب الشعري.

والحقيقة أن أكثر الدراسات التي قامت حول التحليل البلاغي للحديث النبوي الشريف لم تأخذ نفسها بالتفريق بين بلاغة الحديث النبوي وبلاغة الخطاب الشعري، ومن هنا دخلتها الشبهة، على حين نرى أنه من الضرورات المعرفية أن نفرق بين بلاغتين: بلاغة تنطلق من الحقيقة وتتأسس عليها وتهدف إلى إقرارها، وبلاغة وليدة خيال تنطلق منه وتتأسس عليه ولا تهدف إلا إلى غاية إمتاعية خالصة، ومن ثم يخطئ غير واحد ممن يتصدون للحديث عن البلاغة النبوية باختزالها في الظواهر البيانية الأكثر وضوحًا ولفتًا للانتباه من تشبيه واستعارة وغيرها ناظرين إلى هذه الظواهر نظرتهم إلى بلاغة الشعر التي تنبني على هذه الظواهر، وما فطنوا إلى أن الشعر"معاناة فردية يخاطب فيها الشاعر نفسه التي يجرد منها مستمعًا قبل التوجه إلى أي مستمع خارج الذات الشاعرة" [1] ، ومن ثم يجدر بنا أن ننبه إلى أن معايير الحكم على الظواهر البيانية تختلف حسب السياق الثقافي الذي يتحكم في رؤية هذه المعايير، فإن"أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع" [2] ، ومن هنا نقول باختلاف الظواهر البيانية في الحديث النبوي الشريف عن الشعر في منابعها وغاياتها وهذا الاختلاف ينعكس على تكوينها، ومن ثم وظيفتها التواصلية:

(1) د. محمد العمري: بلاغة الخطاب الإقناعي، مرجع سابق ص 16.

(2) حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، تـ محمد الحبيب ابن الخوجة، ط3 بيروت 1986 ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت