فهرس الكتاب
وقد انبنى رأي كولردج في الخيال الثانوي على أن الخيال هو الذي يذيب ويلاشي ويحطم العلاقات المستقرة العرفية بين العناصر ثم يعيد تشكيلها من جديد، فالخيال عنده"هو القوة التي بواسطتها تستطيع صورة معينة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدة صور أو أحاسيس في القصيدة فيحقق الوحدة فيما بينها بطريقة أشبه بالصهر" [1] ، ولا يخفى علينا أن نفي العلاقة العقلية بين عناصر الاستعارة يمثل نظرة شعرية خالصة منبعها جمالي خالص، بل إنه من معايير بعض النقاد المحدثين أيضًا ما ذهب إليه د.عبد العزيز الأهواني في تعليل تفضيل بعض القدماء التشبيه على الاستعارة بأن ذلك يرجع إلى"أن التشبيه في كثير من الحالات مظهر من مظاهر البدائه في التفكير، والسذاجة الأولية في التعبير، وأنه يدل في بعض الحالات أيضًا على عجز الأداة اللغوية عن الوفاء بالتعبير المباشر عما في النفس من مشاعر، أو عن عجز هذه النفس عن التمييز الدقيق والتفطن المرهف لما يعتلج في ضميرها" [2] ، قد تصدق هذه الأقوال على معالجة التشبيه والاستعارة في الشعر، ولكن كيف يمكن أن تصدق هذه المبادئ والأحكام على التشبيه والاستعارة في الحديث النبوي ؟؟؟
لا مناص من أن نعترف في وضوح وجلاء بأن هذه المعايير والرؤى لا يمكن أن تصدق بحال من الأحوال على الظواهر في الحديث النبوي الشريف، ومن هنا يتأكد لنا أن تناول الظواهر البلاغية في الحديث النبوي الشريف بمعايير الشعر شبهة من أخطر الشبهات، فالعاطفة في أبسط مفاهيمها هوى، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزه عن الهوى.
(1) د. محمد مصطفى بدوي: كولردج، القاهرة 1958م ص 158.
(2) د. عبد العزيز الأهواني: ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر العربي، ط القاهرة (بدون تاريخ) ، ص 128.