فهرس الكتاب
إن الحديث النبوي لا يقف عند حدود الإبلاغ والإخبار والأمر والنهي ولكنه يتجاوز ذلك ويتخطاه إلى التمكين لمضمون هذه الأساليب في نفس المتلقي، وإنه من بين الخصوصيات التي تتوفر لأساليب الخطاب في الحديث النبوي الشريف أن الغاية التعليمية لا تعني مجرد نقل معرفة في حياد من ناقلها، أي أن ناقل هذه المعرفة يلقيها عن كاهله بذكرها ولكن الغاية التعليمية تلتبس بغايات التفهيم والإقناع والتمكين للحقائق، فالمعلم هنا لا تتوفر له أبعاد سياقية تؤكد على التباس مضمون القول التعليمي بذاته فهو چ ? ? ? ? ? ? ? چ (التوبة: 128) ، فهذا الحرص وهذه الرأفة وهذه الرحمة حيثيات سياقية تتعلق بالمتكلم تستحضر البُعد النفسي الذي يجعل من المضمون التعليمي مضمونًا نفسيًا، فلا تقف غاية المتكلم عند حدود نقل المعلومة أو الخبر، ولكنها تتجاوز هذه الغاية إلى استخدام الوسائل الأسلوبية التي تؤدي إلى التمكين للخبر بمضمونه وأسلوبه في نفس المتكلم، فما الأسلوب هنا سوى وسائل لهذا التمكين، الذي لا يقف بدوره عند غاية التمكين، ولكنه يتجاوز هذه الغاية أيضًا إلى التحول بمضمون الخبر (المضمون التعليمي) إلى فعل مُنجَز، على مستوى المتلقي المبلَّغ الشاهد والمبلَّغ المتلقي الغائب المستقبلي، فليس ثم من شك في احتياج المتلقي الغائب المستقبلي إلى وسائل أسلوبية بلاغية تعينه على مراحل التواصل التي تبدأ بمعرفة المضمون التعليمي للخبر، ثم الاقتناع بهذا المضمون والإيمان به، ثم التمكين لهذا المضمون بوصفه حقائق، ثم التحول بهذا المضمون التعليمي إلى أفعال مُنجَزة.