فهرس الكتاب
كيف تحقق الظواهر البلاغية الأسلوبية هذه الغايات ؟ إنها جوامع الكلم بكل ما لها من خصوصية، وبكل ما تستوجب من خصوصية في بحثها وتحليلها، فإن التحسين متحقق، ولكنه هنا يكتسب جماله من الدقة والإتقان والإحكام، وليس من الإغراق في المبالغات والخيال، لأن هذه الظواهر لا تُسرف في المبالغة والخيال، ولكن الخيال يأتي هنا محكمًا في اقتصاره على إثارة تصورات ذهنية عند المتلقي تعين على تصور أمور غيبية فيما يتعلق بالجزاء على الأعمال في الآخرة أو التحذير من أمور غيبية في المستقبل في عالم الشهادة.
إن غاية الحديث النبوي الشريف الإبانة والتبليغ والتمكين للحقائق، وهذه الظواهر البلاغية وسيلة من وسائل التمكين للحقائق التشريعية والحقائق الغيبية في نفس المخاطب، ومن ثم يكون المنطلق في البحث عن إسهام الظواهر البلاغية في التمكين لهذه الحقائق، وليس فقط لإبلاغ هذه الحقائق، ويخطئ غير واحد من دارسي هذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف في أنهم يجعلون الغاية التحسينية الجمالية هي المنطلق الذي ينطلقون منه في عمليات التحليل التي يقومون بها، وليس هذا الخطأ إلا نتيجة من نتائج الخلط بين المنطلقات النظرية لتحليل الشعر والمنطلقات النظرية لتحليل الحديث النبوي الشريف، فإن هذا الخطأ لا يمثل فقط اجتراء على خصوصية الخطاب، بل إنه ليمثل قصورًا معرفيًا عامًا وجذريًا في فهم أبعاد البلاغة بشكل كُلّىّ، وهذا الصنيع ينطلق فيه الدارسون متعجلين تحيط بهم نزعة المجهود الأدنى فيجترؤون على درسٍ ما يزال بحاجة إلى جهود باحثين مخلصين لسبر أغواره"وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار [1] ، وإذا كانت البلاغة تحتاج إلى هذه الجهود فإن الخطاب موضوع الدراسة بحاجة مضاعفة إلى تمثل خصوصيات ظواهره، وتمثُّل آليات معالجته."
(1) حازم القرطاجني: منهاج البلغاء ص 88.