فهرس الكتاب
أضف إلى هذا أن قول الفلاسفة المسلمين بأن الغاية من الاستعارة هي تحسين الشيء بقصد إيثاره والإقبال عليه أو تقبيحه بغرض كراهيته والنفور منه يتوافق مع الغاية التعليمية للحديث النبوي الشريف المبنية على أسلوبي الأمر والنهي، مما يذكر لرؤية الفلاسفة المسلمين، فالالتفات إلى غاية الإفهام يتلاقى مع الغاية التعليمية بمقوماتها التمكينية التبليغية، وإن كانت رؤيتهم هذه تتطلب تدقيقًا يراعي خصوصيات الخطاب، فقد ذهبوا في تعليل التحسين والتقبيح بالقول بالتخييل، والقول بالتخييل من الممكن قبوله مع تحديده في تمكين الحقائق ونفي خاصية التهويم الخيالي الخالص، إلا أنهم ربطوا وجود التخييل بنفي صحة الاعتقاد من المتكلم أو المخاطب، وهذا ما لا يُقبل بحال في معالجة خطاب الحقيقة أو بلاغة الإقناع، ومن ثم نقول بأن أمر قبول المقولات النظرية يبقى مرهونًا بالخصوصيات السياقية التداولية للخطاب.
فإن ما ذهبوا إليه في حجاجية الاستعارة ـ مثلًا ـ لا يصدق كثير منه على الاستعارة في الحديث النبوي الشريف، من ذلك ـ مثلًا ـ قولهم بأن الاستعارة قول حجاجي، ثم ذهبوا إلى أن حجاجيته من الصنف التفاعلي التحاج [1] ، وما هكذا جاءت الاستعارة في الحديث النبوي الشريف، وإنما يُعذرون في ذلك لاشتغالهم بالتنظير البلاغي للاستعارة بشكل مطلق واضعين في بؤرة اهتمامهم النموذج التفاعلي للحجاج وظواهره المختلفة، وتأتى عدم توافق هذه الرؤية التنظيرية مع الخطاب في الحديث النبوي الشريف من ناحيتين:
(1) محمد سالم الأمين: مفهوم الحجاج عند بيرلمان، وتطوره في البلاغة المعاصرة، مجلة عالم الفكر، مجلد 28، عدد 3، الكويت، 2000م ص73 .