فإذا ما انتقلنا إلى النظر في الدراسات التي عنيت بالبلاغة النبوية نجدها قد أولت فكرة الموهبة اهتمامًا بالغًا، وجَدَّتْ في محاولات إثبات تحصيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأسباب التفوق اللغوي والبراعة في الفن القولي، فمنهم من أرجع الأمر إلى هذه المكتسبات البشرية خالصة، ومنهم من تردد بين الإشارة إلى الأمرين، فذهب حينًا إلى إثبات هذه المكتسبات البشرية، وذهب حينًا آخر إلى إرجاع الأمر كله للنبوة، وعلى الرغم من أن المحاولة المبكرة لمصطفى صادق الرافعي قد جمعت بين الأمرين معًا فإنها قد حملت في طيها بذور هذا المنزلق إلى الإعلاء من شأن هذه المكتسبات البشرية، فهو الذي يقرر في حديثه عن السبب الأول من أسباب فصاحته - صلى الله عليه وسلم -:"ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له - صلى الله عليه وسلم - إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا" [1] ، ثم يمضى الرافعي مؤكدًا على نفي القدرة البشرية ومكتسبات العقل البشري بقوله:"ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين، أو رواية عن أحياء العرب حيًا بعد حي، وقبيلًا بعد قبيل، حتى يفلي لغاتهم، ويتتبع مناطقهم، مستفرغًا في ذلك متوفرًا عليه، وقد علمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتهيأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه علمًا ليس بالظن، ويقينًا لا مساغة للشبهة فيه، إذ ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم،...،"
(1) مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، القاهرة د. ت ص 283.