هذا هو حكم شرب الدخان في هذا الزمان وينبني عليه حكم الاتجار فيه، الذي يدور أيضا بين الحرمة والكراهة التحريمية، بالنسبة لمن يريد البدء في هذا الاتجار، لأنه- حينئذ- يتاجر في حرام ضار، أو في مكروه كراهة تحريمية، تقف علي حدود الحرام.
أما من نظموا حياتهم على إلاتجار فيه بصورة أساسية أو تبعية، واعتمدوا عليه في تدبير مواردهم المالية، فإنه- تقديرا لحاجتهم وبقدرها- ينبغي عليهم التدرج في عدم الاتجار فيه شيئا فشيئا، مع الامتناع عن بيعه للشباب الذين يحاولون تقليد غيرهم في عادة ضارة، ويريدون البدء في شربه، ولن ينقصهم شىء إذا لم يشربوه، ثم الاعتماد شيئا فشيئا في كسب ارزاقهم على الاتجار في الحلال الطيب النافع، إلى أن تنتهي هذه المرحلة الانتقالية، من جيل اعتاد شربه، الى أجيال أخرى ينبغي أن لا تشربه.
ويجدر إصدار قانون ينظم الاتجار في الدخان، بحيث يقصر بيعه وشربه مؤقتا على من أدمنوا شربه، تمهيدا لمنعه منعا باتا، مع عدم إصدار تراخيص جديدة بالاتجار فيه، ومعاونة التجار الحاليين في الانتقال إلى الاتجار بغيره، وتدبير موارد مالية للدولة تعويضا عن مواردها من تجارة الدخان، وسيكون في الوفر العظيم الذي يققه منع شرب الدخان متسع لها ولأكثر منها.
وعلى الله قصد السبيل، والله ولي التوفيق.
لفضيلة الشيخ عطية صقر
عضو لجنة الفتوى وبمجمع البحوث الاسلامية با لأزهر
إن مكافحة أو مقاومة التدخين، سواء أكان حراما أم مكروها، أمر يقره الاسلام، لأنه يحب للمسلم أن يكون قويا املا في كل نواحيه الصحية والفكرية والروحية والاقتصادية والسلوكية بوجه عام، ولقد جاء في ذلك قول النبى صلي الله عليه وسلم"المؤمن القوى خير وأحب الي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (رواه مسلم) .
والصحة لها مكانة كبيرة في نظر الاسلام، لم يغفلها التشريع في كل التكاليف التي تحتاج إلى جهد بدني، كالصلاة والصيام والحج والجهاد، حيث خفف على المريض فبما هو معروف ومفصل في كتب الفقه، ومنع كل ما يؤثر على صحة الانسان حتى لا يضعف عن أداء واجباته الدينية والدنيوية، وقرر أن الصحة نعمة لا يفطن إلى قدرها كثير من الناس، ولا يحسمون بها إلا عندما يحرمون منها كما يقول المثل السائر"الصحة تاج على رؤس الأصحاء لا يعرفه إلا المرضى"وقد قال النبى صلي الله عليه وسلم"نعمتان مغبون فيما كثير من الناس، الصحة والفراغ" (رواه البخارى) أى يخسرهما إذا لم يحسن استغلالهما كما يخسر الانسان إذا باع شيئا ثمينا بثمن قليل. وجاء في الحديث الشريف أيضا"أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد" (رواه النرمذى) وقال بعض المفسرين لقوله تعالى (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(التكاثر: 8) إن النعيم هو الصحة.
وقد جعلها النبي صلي الله عليه وسلم أحد ا لأركان الأساسية للشعور بالسعادة في الدنيا، فقال"من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (رواه الترمذى) وجاء في الحديث أيضا"سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوقي أحد بعد اليقين خيرا من معافاة" (رواه النسائي) .