فهرس الكتاب
وهذا هرب من شيء محتمل, فوقع في ذنب مؤكد وخطأ محقق؛ فليس هذا هو التعامل الصحيح الذي سنه لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا صحابته الكرام, بل من الأعمال ما ينبغي أن يجهر بها الإنسان مع الحذر من الرياء، كالزكاة مثلًا؛ قال العلماء فيها: يحسن أن يخرجها علانية أحيانًا لما في ذلك من المصلحة، ولهذا ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الحالين: السر والعلانية في الإنفاق خاصة، أما السر فحتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه؛ ليكون أبعد عن الرياء، وأما العلانية ففيها فوائد عظيمة منها:
-أن يكون أسوة لغيره ليقتدي به.
-ومنها: -وهو مقصد شرعي.
وإن كنا قد نغفل عنه- دفع الغيبة عن نفسه, كأن يقال فيه:"هذا مع كثرة أمواله لم يطعم مسكينًا!! ليس فيه خير"، ويدخل في الإثم بسبب الغيبة، فأنت تدفع ذلك عن نفسك، لكن بشرط ألاَّ ترائي، فتنفق علانية, وليس كما يفعل البعض من أنهم يقفون ضياعًا ثم يكتبون عليه هذا وقف فلان بن فلان! يكفي أن يعلم الناس في المحكمة أن الذي بنى الوقف هو فلان أو يعلم الجيران في الحي بأن الذي بنى المسجد هو فلان, فلو علموا ذلك فلا بأس، وربما يكون ذلك مدعاة لأن يتنافسوا في الخير، بشرط أن تأمن أنت على نفسك من الرياء.
هذه حالات للقلوب، وكلٌ أدرى بقلبه وأعلمُ بنفسه، لهذا نجد السلف رضوان الله عليهم منهم من كان يعمل علنًا، ومنهم من كان يعمل سرًا، لماذا؟ لأن بعضهم كان يعلم من نفسه أنه لن يرائي، وأنه لا يهمه كلام الناس، فيفعل ما يشاء سرًا أو علانية.
والبعض كان يخاف، لأنه يعلم أن نفسه ربما تقع في ذلك، فكان سره أكثر من علانيته أو ربما لا علانية له، أما أهل الدعوة والعلم ممن يقتدى بهم، فلا بأس أن تظهر منهم بعض هذه الطاعات لمصالح كثيرة من أهمها: الاقتداء، لكن مع الحذر من الرياء.