فهرس الكتاب

الصفحة 1464 من 2975

بقلوبهم بين يديه ناظرين إلى جلاله، مبهوتين في جماله، منفردين في وحدانيته، متعلقين بكرمه، ينتظرون رزقه، ويراقبون تدبيره، ويترجون من الأمور محابه، وآذانهم مصغية إلى دعوتهم، متى يدعون، فيجيبون، فكلام هؤلاء في المندوب إليه مما صفي للآخرة، وفي المأذون لهم مما يتجارى من أهل المعاش في أحوالهم، قد صار شيئًا واحدًا؛ لأنهم له، وفي خدمته، وأموره، إن نطقوا، فله ينطقون، وإن صمتوا، فله يصمتون، وإن نطقوا، فعنه ينطقون، وإن صمتوا، فإياه يذكرون، وبه يشتغلون، وفي نجواه يرتاحون.

وأما الآخرون: فإن نطقوا، فبإذنه ينطقون، فما كان للآخرة، فلرجاء ثوابه الذي وعد، وما كان للدنيا، مما لا نصيب للآخرة فيه، فلخوف عقابه الذي أوعد، وما كان للمعاش، ومتصرف الأمور مما أذن لهم فيه، فلعاجل نفع، أو دفع ضر عاجل من فعلي العادة، والغفلة عن الله عز وجل، فالحساب من ورائهم في ذلك، فإن نطقوا، فلما ذكرنا، وإن صمتوا، فلأجل عقاب وعاجل ضر، وإن نطقوا، فعن علومهم وعقولهم ينطقون، وإن صمتوا، ففي أحوالهم يفكرون، وإياه يذكرون، وبدنياهم يشتغلون، ووسواسهم يناجون، وفي منامهم وشهواتهم يرتاحون، فهذا الضرب من الناس ما كان صفاء من كلامهم للآخرة، فهم موعود ربهم من الثواب، وما كان في المعاش، وما لا بد منه مما أذن لهم فيه وقفوا للحساب، فذاك عليه لا له حتى يتخلص منه، فإن وجد كلامًا قد أذن له فيه، ولم يكن له منه بد، وهو على غفلة من ذلك، قد تكلم على عادة نشوئه، لم ينل به ثوابًا؛ لأنه ليس مما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت