فهرس الكتاب
ابتغي به وجهه، فإن تخلص منه، لا له، ولا عليه، فنعم ما تخلص، مع أنه لا ينفك مع الخلاص من حسرة موجعة للقلب، مفجعة للنفس، إذ يرى أكثر عمره قد أهدره وأبطله.
فأهل الغفلة حظهم يوم القيامة من أعمارهم: الأوقات والساعات التي كانوا في أمور آخرتهم من أعمال البر، وسائر ذلك هدر؛ لأنهم يطعمون، ويشربون، ويلبسون، وينامون، ويكسبون، ويرمون المعاش، وينفقون، ويتصرفون في حوائجهم، مقبلين ومدبرين، ليلهم ونهارهم شهوة، ونهمة وغفلة، لا نية لهم فيها، ولا حسبة، ويقدمون بها على ربهم، فلا يجدون عنده ثوابًا، إنما يثابون على أعمال البر فقط؛ لأنهم عملوها على ذكر الآخرة، فاحتسبوا بها، ونووا فيها، وفي أمور معاشهم عملوا على العادة والشهوة، وحظ النفس، فليس لهم فيها ذكر آخرة.
فلو حصلت حظوظهم من أعمارهم، لم تجدها يحصل لهم عشرها، فترى أحدهم ينشق ماؤه من مزرعته، فيسيل في الوادي هدرًا، فيتلوى، ويقلق، ويضجر، ويتحسر على ما ضاع من مائه، ولو أن أحدًا فعل به ذلك، لاستعدى عليه، وعاداه على ذلك، وهو يعلم أن عمره يهدر، فلا يكون له يوم القيامة إلا عشره، أو جزء من أجزاء قليلة .. ، فلا يضيق به صدرًا، ولا يبالي به، فهو ما دام مصليًا أو تاليًا لكتاب الله، أو مشيعًا جنازة، أو عائدًا مريضًا، فهو حظه من عمره، ثم إذا خلا من هذه الأشياء، فهو في شهوة