فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 60

ونواقضها؛ لأن (المتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم، ولا أن يقبل من أحد منهم الحق إذا أورده عليه) [1] . وتكشف رذيلة احتقار الغير أزمة نفسية وأخلاقية، وتفضح زعمات الذين يدّعون الأخوة وحسن المعاشرة، وأعتقد أنها حالة نفسية مرضية تختبئ وراءها شخصية مضطربة تحمل خبرات سيئة قديمة، تفتقر إلى أدنى مهارات التواصل، وعاجزة عن الوفاء بالتزامات الأخوة. والواجب على من لم يكلف نفسه عناء خدمة إخوانه، أن يكف أذاه عنهم على الأقل. كان يحيى بن معاذ رحمه الله يوصي إخوانه فيقول لهم: (لِيكُن حظ أخيك منك ثلاثًا: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه) [2] .

والعجب لا ينقضي من هؤلاء، ممن سلم المسلمون من معروفه، ولم يسلموا من لسانه ويده. تُنتهك حرمة أخيه فلا يحمرّ أنفه، ويظلم عنده فلا ينصره، ويحتاج وهو شاهد فلا يسعفه، (أخْسِسْ بأخٍ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك، وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك، وتمزيق الأعراض، أشد على النفوس من تمزيق اللحوم) [3] .

ولا يحقر إخوانه إلا من ذاق طعم نفسه، وتكبر عليهم ورأى أن له درجة عليهم. وهذه -وأيم الله- آفة دبت إلى نفوس كثير من المنتسبين إلى الدين، فلا معاملة حسنة ولا أخلاق طيبة، بل غلظة في السلوك وفظاظة في المنطق، يُعَيِّرون ولا يغيِّرون، وإن جلس أحدهم في مجلس فهو العالم الذي لا يرى إلا شخصه، ولا يسمع إلا صوت نفسه. وإن احتيجَ إليه ولى الأدبار واصطنع

(1) السفاريني في غذاء الألباب 1/ 102.

(2) ابن الجوزي في صفة الصفوة 4/ 91.

(3) إحياء علوم الدين 2/ 181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت