فهرس الكتاب
الأعذار، كإغلاق الهاتف والتخلف عن المجالس، وربما بالغ في الصدود حتى يضطره الأمر إلى تبديل المسجد الذي اعتاده في الصلاة. وقد صور ذلك أبو العتاهية في أبيات جميلة حيث قال:
أرى قومًا وجوههم حسان ... إذا كانت حوائجهم إلينا
فإن كانت حوائجنا إليهم ... تغير حسْن أوجههم علينا
ومنهم من يمنع ما لديه ... ويغضب حين نمنع ما لدينا
فإن يك فعلهم سمجًا وفعلي ... قبيحًا مثله فقد استوينا
وهذا مظهر واحد من مظاهر سوء الخلق الذي يعانيه معاشر الملتزمين، فمثل هذا لو قصر الثوب إلى ركبتيه وأرخى اللحية حتى سرته واستاك بجذع أراك ... ومع ذلك يحقر إخوانه فهذا ما ذاق طعم التدين، ولا وقر في قلبه محبة الإخوان، بل هو متزين لا متدين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [1] يعني: يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم , فإنه إنما يحقر أخاه المسلم لتكبره عليه , والكبر من أعظم خصال الشر.
وما جدوى المظاهر وهي عارية عن العمل الصالح، وغير مشفوعة بحسن الخلق وعلى رأسه التواضع للإخوان، وخدمتهم وبذل الوسع في ذلك. (وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع) [2] ؛ لأن حقيقته هضم الذات وكسر الجاه. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق» [3] .
(1) صحيح مسلم 8/ 10.
(2) نسبه الغزالي في الإحياء 3/ 343 إلى عروة بن الورد.
(3) صحيح ابن حبان 2/ 224.