فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 60

وقال الغزالي رحمه الله: (اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول، فكما يحرم عليك أن تحدّث غيرك بلسانك بمساوىء الغير، فليس لك أن تحدّث نفسك وتسيء الظن بأخيك. ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه) [1] . وقال ابن عبد البر رحمه الله: (ورُوّينا عن سفيان الثوري أنه قال: الظن ظنان: ظن فيه إثم وظن ليس فيه إثم. فالظن الذي فيه الإثم ما يتكلم به، والظن الذي لا إثم فيه، ما لم يتكلم) [2] .

(قال أبو حاتم رحمه الله: سوء الظن على ضربين: أحدهما منهي عنه بحكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والضرب الآخر مستحب. وأما الذي نهى عنه، فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدم ذكرنا له، والذي يستحب من سوء الظن، فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا يخاف على نفسه مَكْرَه، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره، لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه) [3] . وهذا الذي ذكره أبو حاتم رحمه الله من استحبابه، هو ما أرادته العرب في قولها: (العقلُ التجارب، والحزم سوء الظن) .

ويتفرع عن هذا أمر شاع بشكل وبائي حتى في أوساط الخاصة ألا وهو سوء التأويل، أي تأويل الكلام على الوجه الأسوأ دون الالتفات إلى ما يحتمله من الوجوه الحسنة والمعاني الجميلة.

وبعض المتعالمين ممن طار ولماّ يُريِّش، وبالغ ولم يبلغ، يظن أن سوء الظن هو عين الفراسة، فيطلق العنان لظنونه الفاسدة يجرّح ويعدّل على هواه، ولكنَّ

(1) إحياء علوم الدين 3/ 150.

(2) الاستذكار لابن عبد البر 8/ 291.

(3) ابن حبان في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء 1/ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت