فهرس الكتاب
فرقًا بين الظن والتفرس، لا يدركه إلا عارف بأمراض النفوس خبير بعللها. يقول أبو طالب المكي:
(وكذلك الفرق بين الفراسة وسوء الظن: أنّ الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه أو علامة تشهدها فيه، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إنْ كان سوءًا، ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم، وسوء الظن ما ظننته من سوء رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك، تعرفها من نفسك، فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك، فهذا هو سوء الظن والإثم، وهو غيبة القلب) [1] .
فحذارِ حذار أيها الإخوة من الانجرار خلف وساوس النفس وتسويلات الشيطان، فنقع في أعراض إخوتنا، فتذهب أُخوتُنا، وتزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها. عن ابن المبارك رحمه الله قال: (من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته) [2] .
وإليك مثالًا مشرقًا لكيفية التعامل مع الكلام الصادر من أخيك، موجز المبنى بليغ المعنى، وهو قاطع في باب سوء التأويل، عن سعيد بن المسيب قال: (كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ضعْ أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا) [3] .
قال الربيع بن سليمان: (دخلت على الشافعي وهو مريض فقلت له: قوَّى الله ضعفك، فقال: لو قوَّى ضعفي قتلني، فقلت: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير) [4] . هذا كلامهم، وهذا كمالهم.
فضابط المسألة إذن أيها الإخوة أنك إذا خاطبتَ، كسوت الألفاظ أجملها، وإذا خوطبت، كسوت المعاني أحسنها؛ لأن ما تراه أنت سيئًا قد يكون في الحقيقة حسنًا ويراه غيرك حسنًا، فالكلام حمّال أوجه، والحق قد يعتريه سوء تعبير فيخرج في صورة الباطل، كما قال ابن الرومي:
ومي
تقول هذا جنيُ النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت: ذا قيءُ الزنابير
مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
? سادسا: التحاسد: «ولاَ تَحَاسَدُوا» [5] .
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التحاسد لأنه من أعظم نواقض الأخوة وقواطعها، فقال - صلى الله عليه وسلم: «ولاَ تَحَاسَدُوا» [6] .
والحسد من أشد الأدواء فتكًا بالأفراد والمجتمعات، وهو داء قديم، سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - داء في قوله - صلى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ» [7] .
قال ابن عيينة رحمه الله: (الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي به في الأرض، فأما في السماء فحسدُ إبليس لآدم، وأما في
(1) قوت القلوب 2/ 371.
(2) الذهبي في سير أعلام النبلاء 8/ 408. (المروءة: الإنسانية وكمال الرجولية) تاج العروس1/ 427.
(3) البيهقي في شعب الإيمان 6/ 323.
(4) السبكي في طبقات الشافعية 2/ 135.
(5) صحيح البخاري 5/ 2253.
(6) صحيح البخاري 5/ 2253.
(7) مسند أحمد 3/ 29. صححه الألباني.