فهرس الكتاب
وشر من ذلك أن الحاسد يرى زوال نعمتك نعمةً عليه، ويسعى في سلب هذه النعمة عليك باليد أو اللسان، فلا يستقر باله أو ترتاح نفسه، حتى تتحول تلك النعمة إليه أو إلى غيره، وقد لا يحصل له ذلك فيظل الحاسد في غم مقيم وهم دائم. ومن هنا قيل عن الحسد: (إنه أغبى الرذائل) إذ لا يحصل صاحبه إلا على الحسرة. قال الحسن رحمه الله: (ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلومٍ من حاسدٍ، نفَس دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد) [1] . ولا يلقاك إلا وقلبه متغير عليك ولا يبصر إلا مساوءك كقول ابن بلال الأنصاري:
عين الحسود عليك الدهر حارسة ... تبدي المساوئ والإحسان تخفيه
يلقاك بالبشر يبْديه مكاشرة والقلب مُنْكَتِمٌ، فيه الذي فيه
والحسد قاطع للمودة والأخوة بلا شك، ووجه ذلك أنه متى سكن القلبَ ظهر ذلك على الجوارح، فتحصل الغيبة والنميمة والقذف والإفك والكذب ... وهذه الكبائر هي وقود نار الحسد. قال العز بن عبد السلام رحمه الله: (الحسد من أفعال القلوب، وقد يُتجوّز به عن آثاره فتسمى حسدًا. وإنما نهى عن الحسد لكونه إذا تمكن من القلب حمل على المعاملة بآثاره فيكون تحريمه من باب تحريم الوسائل) [2] .
وقد مدح الله تعالى الأنصار بشيئين لازمين للأخوة الصادقة: عدم الحسد والإيثار، وهما شاهد الحب. قال تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [3] . ومن قصص إيثار الأنصار ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنِّى مَجْهُودٌ. فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ:
(1) تفسير القرطبي 5/ 251.
(2) العز بن عبد السلام في مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل 1/ 155.
(3) سورة الحشر، الآية: 9.