فهرس الكتاب
وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِى إِلاَّ مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِى إِلاَّ مَاءٌ. فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ» . فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَىْءٌ؟. قَالَتْ: لاَ إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِى. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَىْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِى السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَاكُلُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَاكُلَ فَقُومِى إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ. قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» [1] .
قال ابن كثير رحمه الله في الآية السابقة: (أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم , فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار, وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك) [2] . و (الإيثار أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة) [3] والخصاصة: الحاجة التي يختل بها الحال [4] .
ولا بد من التفريق بين الحسد كانفعال والحسد كفعل؛ لأنه لا مؤاخذة على الأول. وقد قيل: (ما خلا جسد من حسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه) . والمؤاخذة تكون إذا عمل بمقتضى هذا الشعور. يدل عليه الحديث
(1) صحيح مسلم 6/ 127.
(2) تفسير ابن كثير 2/ 401.
(3) الجرجاني في التعريفات 1/ 59.
(وحكي عن أبي الحسن الانطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفأوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على نفسه) . تفسير القرطبي 18/ 29.
(4) تفسير القرطبي 18/ 29.