فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 60

قال ابن الجوزي رحمه الله: (رأيت الناس يذمون الحاسد ويبالغون ويقولون لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة الله ولا يرضى بقضائه ويبخل على أخيه المسلم. فنظرت في هذا فما رأيته كما يقولون؛ وذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد، فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه، وود لو لم ينل صديقه ما ينال، أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه. وهذا معجون في الطين ولا لوم على ذلك. إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل) [1] .

وقول ابن الجوزي رحمه الله: (وهذا معجون في الطين) يبين أنه يمكن أن يقع حتى من الأفاضل، فعن ابن عباس قال: استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايُرًا من التيوس في زُربها) [2] . وكان مالك بن دينار يقول: يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس تنصب لهم الشاة الضارب، فينِبُّ [3] هذا من ههنا، وهذا من ههنا) [4] .

والحسد عموما لا خير فيه، ولهذا ورد النهي عنه على سبيل المقابلة: (لا تحاسدوا) أي: لا تقابل أخاك بالحسد حتى لو حسدك. وقد جعله الله تعالى غاية الشر وآخره في سورة الفلق. هذا وينبغي أن نفرق بين الحسد والمنافسة المندوبة شرعًا، (وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد وليس كما ظنوا؛ لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم. والحسد مصروف إلى الضرر، لأن غايته أن يعدم الفاضل فضله

(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 151.

(2) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/ 151.

(3) قال في لسان العرب 1/ 747: نَبَّ التَّيْسُ يَنِبُّ نَبًّا ونَبِيبًا ونُبابًا ونَبْنَبَ صاحَ عند الهِيَاجِ.

(4) جامع بيان العلم وفضله 2/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت