فهرس الكتاب
(ونظر أبو الدرداء - رضي الله عنه - إلى ثورين يحرثان في فدّان، فوقف أحدهما يحكّ جسده فوقف الآخر، فبكى أبو الدرداء فقال: هكذا الإخوان في اللّه عزّ وجلّ، يعملان للّه تبارك وتعالى ويتعاونان على أمر اللّه، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر لوقوفه) [1] .
وإليك أيها القارئ العزيز نموذجًا عمليًّا في رقة المشاعر، ومظهرًا من مظاهر العناية بعواطف أخيك من خلال حديث نبوي نعرفه جميعا وهو: «إِذَا
دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» [2] ، (فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أنّ الإخفاء أفضل، ولكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجْدًا، أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه ... فقيل له: ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك؛ فهو خير من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك، لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه، ولم تعتذر إليه عذرًا بيّنًا يقبله منك ويعرفه، شقّ عليه ذلك إن كان صادقًا في دعائك) [3] .
قل لي: أين تجد مثل هذا الرقي في السلوك وهذا السمو في التعامل؛ إلا عند من تخلّق بأخلاق النبوة حقًّا وصدقًا؟، وأكثر من هذا؛ لا يستحب للأخ أن يصوم إذا دعاه أخ إلا بإذنه، وإن نوى الصوم فليفطر تحرّيًا لسروره كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: (صنعتُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا فأتاني هو وأصحابه، فلما وُضع الطعام قال
(1) قوت القلوب 2/ 382.
(2) صحيح أبي داود 7/ 223.
(3) قوت القلوب 2/ 276.