فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 60

عِنْدِي مِنِ اثْنَتَيْنِ: كُنْتُ لاَ أَتَكَلَّمُ فِيْمَا لاَ يَعْنِيْنِي، وَالأُخْرَى فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِيْنَ سَلِيْمًا) [1] .

? «إِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخِيك، صَدَقَةٌ» [2] . مثل هذا العمل النبيل يدل على يقظة أخوية تدفع إلى الشعور بما يشعر به أخوك قبل أن يطلب منك. فأنت عندما تفرغ من دلوك في دلوه، فهذا يعني أنك لن تحوجه إلى الاستقاء أو إلى الدلو، وبذلك تصون ماء وجهه عن ذل السؤال.

هذه المشاركة الوجدانية حقيقتها كما قال الجنيد رحمه الله لما سئل عن الأخ، قال: (هو أنت في الحقيقة، إلاّ أنّه غيرك في الشخص) [3] . فالأخَوان - في ميزان الأخوة الحقة - جسدان روحهما واحد، وشعورهما واحد، يفرحان معا ويتْرحان معا. قال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّاسِ مِنْ الْجَسَدِ يَالَمُ الْمُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ، كَمَا يَالَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّاسِ» [4] . وقال أبو سليمان الداراني: (إني لأُلقم اللقمة أخًا من إخواني، فأجد طعمها في حلقي) [5] . (واشتهى الربيع بن خيثم حلواء، فلما صُنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فقال له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فقال: ومن أكله غيري؟!. وقال آخر منهم -وجرى له نحو من ذلك-: إذا أكلته كان في الحَشّ [6] ، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورًا) [7] .

هذه المعاني العظيمة إنما استوحاها هؤلاء العظماء من موقف صِدّيق الأمّة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في الهجرة من حديث طويل رواه البخاري، وفيه أن أبا بكر - رضي الله عنه - أتى بلبن قال: (ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى رَضِيتُ) [8] . تأمل قوله: (حَتَّى رَضِيتُ) ، رضيَ هو، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي كان يشرب، لتعلم عظمة الحب الذي كان يكنُّه أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

وأختم بموقف لإمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله يدل على أن مثل ما سبق كان سجية في السلف، رواه الخطيب البغدادي عن هارون بن عبد الله الحمّال قال: (جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدقّ علي الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه، فمسّاني ومسّيته. قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شغلتَ اليوم قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزتُ عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس) [9] .

? ثامنا: المزاح: «حَتَّى يَدَعَ المِزَاحَ» [10] .

لا شك أن المزاح مندوب إليه بين الإخوان بضوابطه، لما فيه من الاستئناس وترويح القلب وانبساط النفس. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَمْزَحُ, وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا» [11] , (كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال) [12] . وفي رواية: (يتمازحون حتى يتبادحون بالشيء، فإذا حزبهم أمر، كانوا هم الرجال أصحاب الأمر) [13] . رضي الله عنهم أجمعين.

(1) سير أعلام النبلاء 1/ 205.

(2) صحيح الأدب المفرد 1/ 340.

(3) الثعلبي في الكشف والبيان 9/ 79.

(4) مسند أحمد 37/ 517.

(5) إحياء علوم الدين 2/ 174.

(6) الحش هو موضع قضاء الحاجة.

(7) ابن رجب في اختيار الأولى 1/ 11.

(8) صحيح البخاري 9/ 529.

(9) الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي 1/ 411.

(10) الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/ 73.

(11) المعجم الكبير للطبراني 11/ 22.

(12) رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.

(13) الخطابي في غريب الحديث 3/ 114. البدْح: رميك الشيء فيه رخاوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت